جديد… رعيّة من نوعٍ آخر

حوّل الإنترنت العالم الذي نعيش فيه، وأضاف إليه عالمًا آخر افتراضيًا. هو مرآة عالم الواقع، لكنّ التواصل فيه أسهل، لسرعة نقل المعلومات، وسهولة التعبير، دون مجهودٍ جسديٍّ يُذكر.

شخصيّة افتراضيّة

في هذا العالم الافتراضي تنشأ علاقات إنسانيّة افتراضيّة، هي ربّما البديل عن العلاقات الاجتماعيّة التي حرمتنا سرعة الحياة من عيشها. فهناك، يمكنك أن تكوّن لك شخصيّة افتراضيّة، وتكون من أردت دائمًا أن تكون، رافضًا واقعك الذي حتّمته عليك روابط المجتمع، وأن تتصلّ بأشخاص، ربّما تلتقي بهم واقعيًا، 

وربما لا، قد تعرفهم، أو تعرف البعض من شخصيّتهم الافتراضيّة التي أنجبوها.

رعيّة افتراضيّة

إنطلاقًا من حاجة الإنسان لينقل جميع اختباراته الواقعيّة إلى العالم المرآة، انتقل اختبار الرعيّة إلى المقلب الآخر. لا أتحدّث عن الرعايا الرسولة التي أنشأت لها مواقع، ولا التي استثمرت وسائل التواصل الاجتماعي، بل عن رعايا افتراضيّة، تأسّست هناك، وبقيت هناك، دون أي وجودٍ جغرافيٍّ محسوس.

“الرعايا الافتراضيّة” (Paroisse Virtuelle) تقدّم لك كنيسة ثلاثيّة الأبعاد، يمكنك ولوجها والتجوّل فيها والتوقّف أمام صور القدّيسين للصلاة وإضاءة الشموع مجّانًا، أو بعد دفع ثمنها عبر بطاقة الائتمان. الاتّصال براعي الرعيّة سهلٌ جدٌا، وممكنٌ عبر خدمة “Video Call”. بعضها يوعدُ الزوّار بإمكانيّة ممارسة الأسرار عن بعد، والمشاركة بالقدّاسات، أو إرسال الخطايا عبر البريد الإلكتروني وانتظار الحلّة “الافتراضيّة”.

ربّما قدّمت هذه المواقع لروّاد الإنترنت جماعةً للالتزام بها، وأسهمت بتعريفهم إلى هويّتهم المسيحيّة التي فقدوها منذ زمن. فالكنيسة لطالما شجّعت رسل عالم اليوم للوصول إلى من هم على أرصفة العالم الرقمي. لكنّ الخدمة والحياة الجماعيّة تفترض لقاءً واقعيًّا، لما للتواصل الجسديّ المحسوس من أهميّة، وممّا يجعل من كلّ اختبارٍ إنسانيٍّ اختبارًا حقيقيًّا، بعيدًا عن الهُويّات المزيّفة.

الأسرار في عالمٍ افتراضيّ

أمّا بشأن الأسرار البيعيّة، فتعلّمنا الكنيسة أنّ المسيح هو سرّ الله، أي إنّ الله كشف ذاته، كشفًا كاملاً، بالمسيح الذي صار جسدًا، في عالمنا المحسوس الحقيقيّ. والأسرار هي كشفٌ حقيقيٌّ ملموس في عالمنا المرئيّ لحقيقة الخلاص، لأنّها تحقيقُه. إذن، يستحيلُ أن تقبل الكنيسة منح الأسرار في عالم الإنترنت، طالما يستثني كلّ بُعدٍ جسديٍّ للتواصل.

ختامًا، لا بدّ لنا أن نعترف أنّ عالمنا اليوم تبدّل كثيرُا، وأنّ الرعيّة “الكلاسيكيّة” التي عرفناها على مدى عصور طويلة، لم تعد تحاكي تطلّعات البعض، أو لم تعد قادرة على الوصول إليهم حيثُ يقطنون. همُّ الكنيسة الرسولي يدفعها، أوّلاً، للتفكير أكثر بواقع الرعايا وبدفعها أكثر لتكون رعايا مُرسلة بدل أن تكون رعايا استقبال، وثانيًا، للاستفادة من خبرة الرعايا الافتراضيّة لصيدٍ أوفر، واستخدامها كقناة يعبر فيها المستخدم من عالمٍ افتراضيّ إلى عالمٍ واقعيّ، إلى رعيّة جغرافيّة لا بديل عنها.

مقال من العدد 85 من مجلّة كنيستنا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s