مُغامرةُ التكرُّس في عصرِنا

راهبةٌ عجوزٌ استقلَّت الباصَ هذا الصباح. جَلَسَتْ قُبالتي تتأمَّلُ الرُكّابَ مُبتسمَةً، وكأنَّها في وجوهِهِم تَستَشِفُ تأمُّلًا في عظمةِ الخالِق. جذَبَت ابتسامَتُها صبيّةً عشرينيّة، فسارَعَت تِلكَ الأخيرة للجُلوسِ بقُربِها، وراحت تُحدِّثُها. لا أخفي كَم تفاجأت! من يرى اللهفةَ الباديةَ على وجهِ الفتاة، يلمسُ شوقَها إلى فرحٍ تعرِفُ تمامًا أنّ الراهبة العجوز قد وجدَتهُ. تِلكَ الصبيّة كأترابِها تبحثُ عنِ الفَرَح. جميعُنا نبحثُ عنهُ. نعرِفُ أينَ نَجِدُهُ، ولكنّنا نتردَّدُ في المضيِّ إليه.

التكرُّسُ الصَعب

شابّاتٌ وشُبّانٌ يُفكّرونَ بالتكرُّسِ للربِّ، ويعرفونَ الفَرَح الموعودَ إذا سمعوا نداءَهُ وتبعوه. لكنَّ أشياءَ عديدة تجعَلُهُم يتردّدون. فعالمُ اليومِ مليءٌ بمُغرياتٍ توهِمُهم أنَّها قادِرةٌ على منحِهم الفرَح، لا سيّما أنّها سريعةُ المنال ولا تتطلّبُ أيَّ جهدٍ، بالمقارنة مع مُتطلِّباتِ الحياةِ المكرّسة، المليئةِ بالصعوباتِ والتحدّيات.

كما يشعُرُ كثيرونَ أنَّ نِظامَ الحياةِ صارَ حَتميًّا ولا مجالَ للخروجِ عَنهُ. وكأنَّ الإنسانَ، لتحقيقِ وجودِهِ، مُرغَمٌ على العيشِ تمامًا مثلَ الآخرين. في المُقابل، يتطلَّبُ التكرُّسُ جُرأةَ التحرُّرِ مِنَ النِظامِ الاجتماعيِّ الراهن والتحليقِ خارجَ السَرب. أن يتكرّسَ أحدٌ في الألفيّة الثالثة، إذا أدرَكَ حقًّا أبعادَ تكرُّسِهِ، فيهِ الكثيرُ مِنَ الجُنون.

أضِف إلى ذلكَ، أنَّ إخفاقَ بعضِ المكرّسينَ والمُكرَّسات من كهنةٍ ورُهبانٍ وراهبات، يجعلُ البعضَ ينفرونَ من فكرة التكرُّس. هذا طبيعي. ولا ننسَ أنّ الإعلامَ في الآوِنة الأخيرة قد أَمعَنَ في تشويهِ صورةِ المكرّسينَ والمُكرّسات. لكنَّ المدعوَ مدعوٌّ لاتّباعِ يسوع من دونِ سواه.

جاذبيّة يسوع

أمام جميع هذهِ التحدّيات، لماذا قد يُكرّسُ أحدهُم حياتَهُ للربِّ؟ تتطلّبُ الإجابةُ على ذلِكَ أن نفهَمَ ما هو التكرُّسُ أصلًا: هو أن يَفرُزَ أحدُنا حياتَهُ للّه؛ أن يسمَعَ نداءَهُ ويُتمِّمَ مشيئتَهُ ويخدُمَ كنيسَتَهُ، فيبلُغَ الفرَحَ الكامل. أمّا أشكالُ الحياة المُكرَّسة فتتعدّدُ وفقَ حاجةِ الكنيسة. إمّا أن تكونَ الحياة المُكرّسة الفعليّة الّتي عَرَفَتها ونظَّمَتها الكنيسة قانونيًّا إلى اليوم، وإمّا أن تكونَ التكرُّس للربِّ وخدمتِهِ في الحياةِ العلمانيّة. فالراهبةُ مثلًا، يدعوها الله إلى دخولِ الحياةِ الرُهبانيّة، لتكونَ شاهدةً بيننا لحالةِ المَلَكوت الّذي أعدَّهُ اللهُ لنا، فتقبلُ الكنيسةُ دعوَتَها وتحضُنها. ومَن يَسمَع دعوةَ اللهِ ويَتبَعُهُ نالَ الفرحَ الحقيقيَّ الّذي يبحثُ عنهُ.

العالمُ جذّابٌ لكنَّ جاذبيَّتَهُ لا تفوقُ جاذبيّةَ يسوع. لذلكَ، من عرَفَ الربَّ وأحبَّهُ، ومَن اتّقَدَت فيهِ الرغبةُ باتّباعِهِ، لن يتردّدَ في التخلّي عن مُغرياتِ هذا العالمِ والمضيِّ في سبيلِهِ. وحدهُ اتّباع يسوع، يُعطينا فرحًا حقيقيًّا لن يزول. رُبّما تِلكَ الراهبة في الباص وجَدتهُ. عظيمٌ فرحُها. نشَرَت العدوى حيثُ كانت، فأشعَلَت في قلبِ الصبيّة الرغبَة بأن تَجِدَ الفَرَح.

في الختام، أودُّ تَذكيرَكُم أنّ الحياةَ تُخاضُ مَرَّة. إذا لَم تكُن مسيرةً حقيقيّةً نحو الفرحِ الكامِل، نكونُ قد خسرناها. ذاكَ الشاب الغنيُ، الّذي أتى يسوعَ بحثًا عَنِ فرَحِ الملكوت، رجِعَ حزينًا لأنّهُ كانَ ذا مالٍ كثير (لو 18، 22-23). من أرادَ أن يربَحَ ما كانَ لهُ في العالم، بقيَ حزينًا. يكونُ قد ربِحَ العالم وخسِرَ نفسَهُ (مر 8، 36). وحدَهُ من تَرَكَ كُلَّ شيءٍ وتَبِعَ يسوع نالَ الفرَحَ الكامِل. وحدهُ يسوعُ يستحقّ… تشجّعوا!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s