أخافُ على الإعلام المسيحيّ… ومنه

أن يسير الإعلامُ بشكلٍ عام نحو الهاوية وأن يتخلّى عن أخلاقيّاته مقابل حفنات النقود، أمرٌ متوقّع في عصرنا الاستهلاكي، وفي منظومة “العالم الجديد”. لطالما كان الإعلامُ قيمة إيجابيّة بذاته، لكنّ الممارسات الحديثة لأكثر وسائل الإعلام باتت مناقضة لجوهره. فهناك من يزوّر الحقائق أو من يختلق الأكاذيب، وهناك من يتبنّى أسلوب الفضائحيّة. ناهيك عن المضامين السخيفة لأغلبيّة المواد الإعلاميّة أكانت مرئيّةً أو مسموعةً أو مكتوبة. أمّا أن يكون الفشلُ الإعلاميّ متفشيًّا أيضًا في عالم الإعلام الديني أمرٌ يستدعي القلق.

فإذا كان لا بدّ من الاستفادة من تقنيّات هذا العالم من أجل حمل البشارة إلى العالم، كما توصي الكنيسة في تعاليمها، يبقى على المؤسّسات المسيحيّة أن تبقى متميّزة بإعلامها عمّا تقدّمه المؤسّسات الأخرى شكلًا ومضمونًا. ألّا يكونَ الإعلامُ المسيحيّ متميّزًا عن الإعلام الدنيويّ مشكلة، وأن يحاكي فشلهُ الحالي هو كارثة. وإن كان الإعلام الدنيويّ في نزاعٍ، فأن يشابهه الإعلام المسيحي هو كإطلاق رصاصةِ الرحمة عليه وخطف النفس الأخير وإنهاء الأمل الباقي معه.

من يُطالع صفحات الإنترنت يجدُ الكثير من المبادرات الإعلاميّة المسيحيّة، التي غالبًا ما لا تعمل تحت إشرافٍ كنسيٍّ مباشرٍ وصريح. إمّا لأنّ التدقيق الكنسيّ، إن وُجد، يكون مزعجًا لمن أراد أن يحلّل ويحرّم ما يريد، وإمّا لأنّ الكنيسة، بتنظيمها البشريّ، ما زالت عاجزة عن مرافقة إعلامها الدينيّ بكلّ جوانبه. فتجد مثلًا من ينشرُ التعليم ونقيضه، فلا يعرفُ القارئ أيّهما يمثّلُ الإيمان المسيحي، وذلك بسبب جهل الكتّاب المُدقع. أو تجد مثلًا العناوين “الفضائحيّة” أو المقالات المتعصّبة التي لا تهدفُ إلّا إلى تحصيلِ نسبِ مشاهدةٍ عالية.

وأن تصيرَ هذه المواقع مرتبطة كما مواقع أخرى بالإعلانات المنتشرة في صفحاتها وبالربح الماديّ هو غير مقبول، ويدخل في إطار التجارة بالمقدّسات. فأشعرُ وأنا في بعض الصفحات التي يبلغ عدد الزبائن فيها مئات الآلاف، بالرغبة الجامحة أن أحمل السياط وأنقضّ على بضاعتها الفاسدة كما فعل الربّ يسوع في الهيكل، لأنّ أولئك الإعلاميّين، باسم الدّين، جعلوا من الإنترنت، مغارةَ لصوص.

تضيعُ الحقيقة، ذاك الكنز الذي لا بدّ من الإعلام أن يحملهُ وأن يحفظهُ غذاءً للعالم. تضيع في إعلامنا المسيحي فتبقى مستترة عن الجياع والعطاش إليها. لا أعرفُ كيفَ تقبل وسائل إعلاميّة مسيحيّة بنشر المعلومات قبل تقصّي حقيقتها ودقّتها. فصار المعيار الأوّل والأخير قدرة الخبر على جذب الزبائن. “وما يطلبه المستمعون” صار النهج السياسيّ لعمالقة الإعلام المسيحي.

نعم أنا غاضب… فتضليل الملايين غير مقبول. أن تكون المؤسّسة المسيحيّة الإعلاميّة فاسدة هو جريمة. من كان كذّابًا بإعلامه كان ابنًا للشيطان أبو الكذب والكذّابين. الإعلام المسيحي هو كالملح في العالم، “ولكن إِن فَسَدَ الملحُ فبماذا يُملَّحُ؟ لا يصلحُ بَعدُ لِشيءٍ، إِلاَّ لأن يُطرحَ خارجًا وَيُداسَ منَ النَّاسِ” (متّى 5، 13).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s