من هم القدّيسون؟

تُصوِّر بعض التقويّات الشعبيّة القدّيسين كأنصاف آلهة، كصُنّاع المعجزات والخوارق، كمن تحتّمت عليهم القداسة منذ الولادة. فيُخيّلُ للبعض أنّ القداسة حكرٌ مثلًا على المكرّسين من كهنةٍ ورهبانٍ وراهباتٍ، وأنّها صعبةُ المنال، فلا يصلها إلّا من كتبها الله لهُ. فننسى أنّ الله دعانا إليها جميعًا، وهو أرادها لجميع أبنائه.

بين المؤمنين تيّاران، الأوّل شعبيٌّ يبالغُ في “عبادة” القدّيسين، وآخرُ جاء كردّ فعلٍ على التيّار الأوّل، أبناؤه من يحاولون عقلنة الإيمان، فيصل بهم المطاف، أحيانًا، إلى رفض تكريم القدّيسين رفضًا قاطعًا، واعتباره وليد وثنيّة العالم القديم.  ومن الواضح أنّ الموقفان بعيدان عن تعليم الكنيسة. لذلك، نحاول فيما يلي تقديم تعريفٍ بسيطٍ للقداسة، كما نقدّم لكم، بالاستناد إلى تعليم الكنيسة الواضح، توصيفًا لمكانة القدّيسين بالنسبة للكنيسة الكاثوليكيّة.

ما هي القداسة؟

أصلُ كلمة “قدّيس” جاءنا من اللغّات الساميّة القديمة، كالعبريّة والسريانيّة والآراميّة، وهي في أصلها تعني الفُرز، أي ما تمّ فصله وتمييزه. ويعتقد التقليد اليهوديّ القديم بأنّ الله ميّز الإنسان عن باقي المخلوقات. وبالتالي، يوضح لنا تعليم الكنيسة أنّ نعمة القداسة هي أصليّة، بمعنى أنّها عطيّة إلهيّة للإنسان منذ خلقه.  لكنّ الإنسان بسقوطه شوّه صورة الله القدّوس التي فيه. ويسوع بفدائه، أعاد لنا جميعًا حلّة المجد الأولى، وصرنا مدعوّون للعودة إلى النعمة الأصليّة. فالجميع إذن مدعوٌّ إلى القداسة. “إنّها ملء الحياة المسيحيّة وكمال المحبّة. وهي تتحقّق في الاتّحاد الحميم بالمسيح وفيه بالثالوث الأقدس”.

ما هو إعلان القداسة؟

يعيش بيننا الكثيرُ من القدّيسين، مكرَّسين كانوا أم لا، الذين يُجاهدون في سبيل الاتّحاد بالربّ يسوع. هؤلاء بلغ فيهم حبّ الله حتّى الغاية لدرجة السموّ والتشبّه بقُدسيّتِه. أمّا إعلان القداسة الرسمي من قبل الكنيسة فيرتبطُ بعوامل كثيرة تدرسها الكنيسة، كدراساتٍ علميّة دقيقة للعجائب والظهورات إذا ما وُجدت، وتحقيقات جديّة في سيرة حياة من عاشوا الاتّحاد بالربّ، وفحصٍ دقيقٍ لتعاليمهم وأقوالهم وكتاباتهم.

لماذا إعلان القداسة؟

يأتي إعلان القداسة من قبل الكنيسة كتشجيعٍ لأبنائها على الاقتداء بفضائلهم وهي تحثّهم على طلب شفاعتهم. فالقدّيس هو في الكنيسة المثال. لذلك نتأمّل بسِيَرِ حياتهم طامحين أن نشابههم بجهادهم، دون أن ننسى أنّ لكلٍّ منّا اختباره الخاص، وأنّ التمثّل بفضائل قدّيسٍ ما، لا يعني أن نعيش تفاصيل اختباره الخاص بأكملها.

أمّا الشفاعة فلا تكون بمناجاة القدّيس لكي يتوسّط لدى الربّ يسوع، وكأنّ الربّ يسوع هو الإله القاسي البعيد، الذي ننتزع منه الإصغاء بالقوّة أو الحيلة. فلا أعتقدُ أنّ الربّ يسوع، الوسيط الأوحد، بحاجةٍ لوسطاء بيننا وبينه. لكنّ الكنيسة تؤمن بشركة القدّيسين، الذين تناولوا الجسد الواحد وشربوا الدمّ الواحد، وصاروا جسد المسيح السريّ. يجمعنا جسد المسيح في كنيسةٍ مقدّسةٍ تُصلّي دون انقطاعٍ بروحٍ واحد. وفي كلّ مرّةٍ نطلب فيها شفاعة قدّيسٍ ما، نكون متّحدين بالصلاة معه. وصلاة القدّيسين هي معونةٌ لنا في الصلاة، ونحن بالفعل بحاجةٍ لها. وفي طلب الشفاعة “صلِّ عنّا” لا نتكاسل ونلقي رغبتنا بالصلاة على عاتق القدّيسين. إنّما نطلب منهم المعونة، لأنّهم يرتبطون ارتباطًا حميمًا بالمسيح، ولأنّ صلاتنا متواضعة ولسنا بعد في مصافِ القدّيسين.

في النهاية، لنتذكّر أنّ دعوة القداسة موجّهة لكلّ واحدٍ منّا شخصيًّا. والذين سبقونا في المسيرة هم لنا القدوة بالفضائل التي عاشوها، ونحن لا ننفكُّ نصلّي معهم بروحٍ واحد. طبعًا، تواجهُنا في السعي نحو القداسة عقبات كثيرة، ستكون موضوع مقالٍ مُقبل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s