“فنجان قهوة وحكي عالنّاس”

كانت “أم طوني” تُجالس “كريمة” على شُرفة المنزل، تحتسيان القهوة وتتحادثان بأمور الحياة وفلسفاتها، حين مرّت جارتهما “سيدة” في الطريق. وكما يومضُ البرقُ في أفقٍ ويتألّق في آخر، هكذا صارت “سيدة” محور حديثِ جارتَيها، اللّتانِ فصّلتا أخبارها وفنّدتاها باحترافٍ لبنانيٍّ موصوف. وما هي ساعتان مضتا، حتّى غادرت “كريمة”، وحضرت مكانها “سيدة”. كانت تلكَ الأخيرة تحملُ في عبّها روايات “كريمة” وآخر أخبارها، فشلحتها فوق طاولةِ الحوار، وتداولتها مع نظيرتها، وتودّعتا بعد ساعتين مُضنيتين من المناقشات والمناوشات.

“من ثرثر معك ثرثرَ علَيك”

حكايةُ نساءِ شرفة “إم طوني” وإن كانت كاريكاتوريّةٍ بعضَ الشيء، تنقُلُ لنا واقعَ آفةٍ اجتماعيّة تجرُّ الكثيرين خلفها. وغالبًا ما لا يتداركُ خطورتها من يسقطُ فيها. هي النميمة، أي كثرةُ الكلامِ والثرثرة فيما يعنينا وما لا يعنينا. تطال العائلات والصداقات وأماكن العمل فتُثيرُ المتاعب وتتسبّب بالخلافات. ويعبّرُ سفرُ الأمثالِ عن ارتباط النميمة بالخصام كونها أصلهُ: “بعدمِ الحطَبِ تنطَفِئُ النَّارُ، وحيثُ لا نمَّامَ يهدأُ الخصَام” (أم 26، 20).

ولو كانت نوايا الثرثارينَ بالظاهر أو بالوعي حسنة، تنبعُ النميمة من شرورٍ دفينة ليست ظاهرة ولا واعية: أحيانًا من حسدٍ دفين، وفي أحيانٍ أخرى من فراغٍ نفسيٍّ ممكن، وفي أحيانٍ كثيرة من حاجةٍ لتحقيق الذات عبر إلقاء الضوء على هفوات الآخرين… وآلافُ الأسباب لا مجال لذكرها في مقطعٍ واحدٍ. وتتعدّدُ النتائج تعدُّدَ الأسباب، وهي بمُجملها سيّئة وإن تراوحت درجة ضررها في الثرثار وفي ضحيّته.

كثيرُ الحكمة قليلُ الكلام

من جالس النمّام نمّ معه، وبعدها صار هو ضحيّة النميمة. والحكمة هي في الابتعاد عن النمّامين وكثيري الكلام: “النمّام ينجّسُ نفسَهُ ومعاشرتَهُ مكروهة” (يش 21، 31). من أراد أن يُسالم الناس صان لسانه ولجمهُ عن شؤونهم. ويُلفتني أنّ من كان كثير التفكير، يكون عادةً قليل الكلام، فإذا ما تكلّم فاه بالحكمة.

لصون اللسان والتكلّم في الأمور السامية فقط، لا بدّ من وضعِ بعض المعايير لتمييز ما يُقال وما لا يُقال. في حديثٍ دار مع كاهنٍ صديقٍ، أخبرني أنّه يطرحُ على نفسه أسئلةً ثلاث قبل أن يُفصحَ عن أيّ خبرِ: “هل هو صحيح؟ هل هو نافعٌ؟ هل هو لطيف؟” وعلى الخبر، لكي يستحقّ التداول، أن يحمل الإجابة الإيجابيّة لتلك الأسئلة معًا. وإلّا فلا لزوم له.

وأذكُرُ حين كنتُ لا أزال تلميذًا في المدرسة، أن قال لنا يومًا ما أستاذُ الرياضيَات، أنّ كلّ حديثٍ ليس عن الله لا لزوم له. بالغ الأستاذ بعض الشيء، لكنّه فتح عينَيَّ إلى حقيقةٍ جوهريّةٍ وقفت خلف كلماته، أنّ كلّ ما نتحدّث به في شؤون هذه الأرض، يُهدّده الباطل واللّا معنى.

ختامًا، لا يغيبُ عنّا أنّ من سما إلى السماء سمت معه الكلمات، وارتفعت معه الموضوعات. ومن حطّ مستوى الكلام، حطّته موضوعاته وموضعته في الأرض. فإذا كانت فينا تجربةُ النميمة، فلنمتلئ من كلمة الله حتّى نصيرها، فلا نتحدّث إلّا بها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s