المسامحة طريقٌ إلى الشفاء

كثيرًا ما نختبرُ جراحًا سبّبها آخرون، تطبعُ مسير حياتنا، تلاحقُنا كالطيف، وغالبًا ما تمنعُنا من المضيّ قُدُمًا في سبيل الفرح الذي دُعينا إليه. ولنَكُن أكثر واقعيّة، كلُّنا، دون أي استثناء، كنّا يومًا ما ضحيّة الآخرين. لكنّ اختبار الواحد يختلفُ عن اختبار الآخر تبعًا لعوامل كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، شخصيّة الضحيّة وحالته النفسيّة من ناحيةٍ، وحجم الإساءة ووقعها من ناحيةٍ أخرى.

إذا كُنتَ أنت أيُّها القارئ قد ضغطت على عنوان المقال هذا، فهو لأنّك مجروحٌ، وتحاولُ المسامحة، لكنّك لا تقوى عليها. إن كُنتَ مؤمنًا، فأنت تعلمُ أنّ الربّ يسوع دعاك مرارًا لتُسامح أعداءَكَ ومبغضيك. وإن لم تكن مؤمنًا، ففيكَ شعورٌ إنسانيّ ورغبةٌ كبيرةٌ في المسامحة، لأنّ الجُرح فيك يؤلمك ويُنذركَ بخللٍ ما في داخلك. فينا جميعًا الرغبة بالمسامحة، لكنّ تحقيقها صعبٌ جدًّا. ربّما من أصعب ما دعانا إليه الربّ يسوع هو أن نسامح الآخرين على ما أساؤوا به إلينا.

الرغبة في الانتقام

يشعُرُ الإنسان فور تعرّضه للأذيّة بغضبٍ كبيرٍ قد يدفعُهُ للتفتيش عن فُرصةٍ للانتقام. أمّا الغضب فسببهُ أنّ إحدى حاجات الإنسان الأساسيّة لم تتمَّ تلبيتها، كالحاجة بالأمان أو بالثقة مثلًا. والرغبة في الانتقام هي تعبيرٌ سريعٌ عن الغضب يصدُرُ عن الإنسان حينما يشعُرُ أنّ لا عدل فيما جرى، وكأنّه بغضبه، هو من يُحلُّ العدلَ والإنصاف.

لكنّ الغضب يؤذي صاحبه أوّلًا، والآخرين ثانيًا. والجرحُ الذي في الإنسان يبقى مفتوحًا، بل يصيرُ أكثر ألمًا ونزفًا. لذلك ينبغي على من اختبر الجراح أن يبحث عمّا يحرّره ممّا هو عليه وما يبدّل واقعه. وإن كان ذلك ممكنًا، فليحاول أيضًا أن يُحَوِّل الُمسيء، شافيًا إيّاه وجاعلًا منه إنسانًا أفضل.

الخطوة الأولى نحو الشفاء

يقول علمُ النفسِ أنّ المسامحة هي الخطوة الأولى في مسيرة الشفاء من الجراح. فغالبًا ما تكون الأحمال التي تتسبّبها إساءاتُ الآخرين ثقيلةً جدًّا، تمنعُ الإنسان من التقدّم. إذن، المسامحة هي الخطوة الأولى، لكنّ البداية غالبًا ما تكون الأصعب.

من لا يُسامح، يبقى عالقًا في ماضٍ، يمنعه عيش الحاضر بالملء. ويكمُنُ الخطر في امكانيّة إسقاط الاختبارات السيّئة التي لم يُشفَ منها على الآخرين. مثلًا، من تعرّض للضرب كثيرًا في صِغَرِهِ، إذا فاتته فرصة مسامحة أهله، وإذا لم يُشفَ من جرحِ ماضيه، قد يصيرُ هو بدوره مُعنِّفًا، أو قد يُسقط اختباره على الآخرين بأيِّ طريقةٍ ممكنة.

مسيرة الشفاء الداخلي

أمّا المسيرة ففي علم النفس تبدأ في التعبير عن المشاعر الداخليّة وعمّا يجري في باطن الإنسان بسبب ما تعرّض له. فالألم الذي لا نُعبّر عنه يُميتُنا. وفي المرحلة الثانية، يحاولُ الإنسانُ أن يفهم ما تعرّض لهُ على مستوى المنطق والعقل. أن يُدركَ أنّ الإنسان يَتسبّب بالأذى للإنسانِ، لأنّه ما زالَ ضعيفًا، وهو يصبو إلى الكمال لكنّه لم يصيره بعد. وفي المرحلةِ الأخيرة، يتحرّرُ الإنسانُ كليًّا ممّا تعرّض له. إذا كانت المواجهة مع المُسيءِ ممكنةً، فكلمات المسامحة التي يقولها الضحيّة إليه، وجهًا إلى وجه، فيها الكثيرُ من القوّة وتحقيقُ الذات.

بالطبع قد تتركُ الجراحُ خلفها الندوبَ حتّى بعد الشفاء الكامل. لكنّها تبقى علامة في نفس المجروح، تُشجّعه في المستقبل، وتذكّرُهُ كم كان قويًّا حين واجه ما مرَّ به في السابق.

في الختام، نُؤكِّدُ أنّ من اختبر المسامحة صارَ أكثرَ مراعاةً للآخرين وأقلّ إساءة لهم. ومن اختبر بدوره مسامحة الآخرين له، انفتح قلبه هو أيضًا على المسامحة. وبالتالي، من فهم غُفران الربّ يسوع له، ذاك الغفران الأزليّ، لا يُمكنه ألّا يسامح هو بدوره الآخرين.

في كلِّ مرّةٍ تشعُرُ فيها أنّك مُقَيَّدٌ ولا تستطيع المسامحة، جالسْ يسوع. حاول أن ترى ما غفرَهُ لك، وكم هو عظيمٌ حبُّهُ. حاول أن تكتشف كيف جعل منك غُفرانُه شخصًا أفضل. واسأله أن يعطيك النعمة لتُسامح، علّ مسامحتك تصيرُ بدورها غفرانًا، يحرّرُك أنت من جُرحك، ويبني في الآخرين إنسانًا أفضل.

المعالجة النفسيّة كريستال ملّاح
والخوري باتريك كسّاب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s