أُصمُت!

كيفَ نَصمُت؟

إثنتان تمنعانِ الإنسانَ مِن الصمَت: الخوف والكبرياء. واثنتانِ تعوزانِهِ إذا أرادَ بلوغَهُ: الثقة والتواضع. هكذا يوسُفُ الصامِتُ الكبير، الّذي بفضلِ ثقتِهِ بالله ولكثرةِ تواضُعِهِ، صمتَ مُصغيًا للملاك، فاعلًا ما أمَرَهُ بِهِ (مت 1، 24).

يهرُبُ الإنسانُ مِن الصَمت لأنّه مكانُ اللقاء بينَ الله والذات. فغالبًا ما يكونُ الإنسانُ هاربًا مِنَ الله، غيرَ واثقٍ برحمتِهِ، كما آدَم الّذي أخجَلَهُ عُريُهُ فاختبأ مِن وَجهِ الربّ (تك 3، 10). وغالبًا ما يكونُ الإنسانُ هاربًا مِن ذاتِهِ، مِن تاريخِهِ، مِن الآلام التّي تسبّبها لهُ الآخرون، أو سبّبها هو لنفسِهِ وللآخرين.

لكي يستطيعَ الإنسانُ أن يَصمُتَ لا بُدَّ لهُ مِن الوثوقِ أوّلًا بِمحبّةِ الله ورحمتِهِ. تِلكَ الثقة تَسمحُ للإنسان أن يُسلِّمَ ذاتَهُ كما هي للربّ. ومتى اختبَرَ قبولَ الله المجانيِّ لهُ، استطاعَ بعدها أن يقبَلَ ذاتَهُ. فلا يكونُ الصمتُ بعدَ الآن مكانًا مُرعِبًا موحشًا، بل يصيرُ مكانًا حلوًا، يقصِدُهُ الإنسانُ في كُلِّ مَرةً طلبَت فيها نفسُهُ عزاءً وراحة.  مَن صمَتَ عَرَفَ حُبَّ الله ورَحمتَهُ، ومَن عرفَهمُا اشتهى صمتًا أكبَر.

ويهرُبُ الإنسانُ مِن الصَمت إذا أصابهُ الكبرياء. لأنَّ الصَمتَ فقرٌ وفراغ، أمّا المُتكبِّرُ فمُمتلئٌ مِن ذاتِهِ، لا يشعُرُ أنّهُ بحاجةٍ لا إلى الله ولا إلى آخر، ولا حتّى إلى ذاتِهِ. مِن المؤسِف أن يكونَ نظامُ الحياة السائد في أيّامِنا هذِهِ يُشعِرُ الإنسان أنّهُ لا يحتاجُ لا إلى الله ولا إلى الناس، بَل يحتاجُ إلى الأشياء، كما لو كان عبدًا لها.

لكنَّ المتواضِعُ يعرِفُ كَم يحتاجُ إلى الله ويبحثُ عنهُ. هو كما الطفل الّذي في حشا أمِّهِ الّذي يعرِفُ فُطريًّا كَم يحتاجُ إلَيها لكي يتغذّى، ويكبُرَ وينمو، حتّى يخرُجَ إلى الحياة يومًا ما. هكذا الصامِتُ المُتأمِّل، يعرِفُ كَم يحتاجُ إلى الله لكي يتغذّى، ويكبُرَ وينمو، ويخرُجَ بعدَ الحياة إلى الحياة.

بالطبعِ، باتَ الصمتُ صعبًا في عالَم اليوم، لا سيّما معَ تطوُّرِ وسائل التواصُلِ الاجتماعي الّـتي ما عادَت تَسمَحُ للإنسانِ أن يجلُسَ بمُفرَدِهِ ولو لدقيقةٍ واحدة. مَن أرادَ أن يختبِرَ في صمتِهِ لقاءً مع الله ومعَ ذاتِهِ، فليمضِ إلى أماكِنَ مُقفِرة، كما فعَلَ يسوعُ في كُلِّ مرّةٍ أرادَ فيها الصلاة (لو 5، 16). هُناكَ، فليطلُب مِن الله أن يُفرِغَ قَلبَهُ مِن كُلِّ كبرياءٍ وتَعَجرُفٍ، ويملأهُ ثقةً برحمتِهِ. واللهُ مُحبٌّ يُعطي حبيبَهُ صمتًا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s