أُصمُت!

لماذا الصَمت؟

أذكُرُ أنّني صمتّتُ للمرّةِ الأولى حينَ كان لي مِن العُمرِ 17 سنة. هكذا الإنسان، يتأخّرُ عادةً ليفهَم أنَّهُ عليهِ أن يصمُت. والبعضُ مِنَّا يمضي عُمرَهُ مِن دونِ أن يصمُتَ لدقيقةٍ واحدة. ليسَ الصمتُ أن يسكُتَ الكلام، لأنَّهُ غالبًا ما يسكُتُ ليترُكَ مكانَهُ في داخِل الإنسان للضجيج والمعمعة.

في البدء، يولَدُ الإنسانُ مِن الصَمت. يظلُّ ساكنًا في حشا أمِّهِ تسعةَ أشهرٍ. بعدها يخرُجُ إلى العالمِ صارِخًا تائهًا في ضجيجِهِ. والصمتُ الحقيقي، هو العودة إلى الصمتِ الأوّل، إلى الحياةِ ما قَبلَ الحياة. وحدها تِلكَ العودة هي السبيلُ لفهمِ الحياة، والحياة ما بعدَ الحياة.

في صمتِ الحشا الأوَّل، يتعرَّفُ الإنسانُ إلى والدَيه. يشعرُ بحبّهم. يكبُرُ فيهِ الحبُّ للأُمِّ الّتي وهبَتهُ حياةَ الجَسَد. يتألَّمُ يومَ الولادة لانفصالِهِ عن جسدها، ليعودَ ويتأمَّل وجهها للمرّةِ الأولى. وما أعظَمَ فرَحَ اللقاءِ بالّتي عاشَ في حشاها. أمّا الصمتُ الثاني، فيتعرّفُ فيهِ الإنسانُ إلى الله، ويشعُرُ بحبِّهِ، ويكبُرُ فيهِ الحُبُّ للخالِقِ الّذي وهبَهُ الحياةَ الحقَّة. يتألَّمُ يومَ انفصالِهِ عن الدُنيا، لكنّهُ يذهَبُ لتأمُّلِ وجهِهِ للمرّةِ الأولى والأبديّة. وما أعظَمَ فَرَحَ اللّقاء بمَن أعطى الحياة!

والّذينَ أرادوا أن يتأمّلوا الله فيعرفوه ويعملوا مشيئتَهُ صمتوا جميعًا. أخرَسَ الملاكُ زكريّا علَّهُ يتأمَّل ويَفهَم حكمةَ تدبيرِ الله لشعبِهِ (لو 1، 1-25). ويوسفُ البارُّ الصدّيق، الّذي صار مُربيًّا للطفلِ يسوعَ، لا يضعُ أيُّ إنجيليٍّ على لسانِهِ ولو كلمة واحدة. فنَراهُ بصمتِهِ العجيب، يفعلُ تمامًا كما أمرهُ الملاك، فيأخُذَ مريَمَ زوجةً لهُ، مُتبنيًّا الطِفلَ يسوع (مت 1، 18-25)، ويُحامي عَنهُ أمامَ جورِ هيرودُس، فيُخفيهِ في مصرَ بأمرٍ مِنَ الملاك (مت 2، 13-15)، ويُعيدُهُ إلى أرضِهِ بأمرٍ مِن الملاكِ أيضًا (مت 2، 19-23).  أمّا مريم فكانت تتأمَّلُ صامتةً بالأحداثِ الكثيرة الّتي توالَت مُنذُ ولادَة طفلهِا وتحفظُ كُلَّ شيءٍ في قلبِها (لو 2، 51). وظلّت مُتأمِّلةً إلى النهاية فنراها واقفةً بصمتٍ عِندَ أقدامِ ابنها المصلوب، تدخُلُ قبرَهُ الفارِغَ بصمتٍ، وتشهَدُ بصمتٍ انطلاقَ الكنيسة نحو البشارة في العنصرة. هكذا مَن أرادَ أن يعرِفَ الله وأن يَفهَم تدبيرَهُ لا بُدَّ لهُ أن يصمُت.

إذَن، في الصمتِ لقاءٌ بينَ اثنينِ ومع اثنين: الله والذات. مَن يدخُلُ في الصَمت الحقيقيّ، ذاكَ الّذي منحنا اللهُ إيّاهُ نِعمةً، وحدَهُ يَقدِرُ أن يَفهَم ذاتَهُ، ويرى يدَ اللهِ حاضرةً في ماضيه، عاملةً في حاضِرِهِ، ويعرفَ مشيئتَهُ ويعملها. لعلَّ الصمتَ قاسٍ، لكنَّ الله أرادَهُ مكانًا داخليًّا ينكشِفُ فيهِ حُبُّ الله للإنسان. يتبع…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s