ما غايةُ يسوعَ من الشفاءات؟

إذا مرضَ من كانَ لنا عزيزًا، رفعنا نحو السماءِ عيوننا متوسّلين من يمنحُ الشفاء لهُ. وإذا خسرنا من تألّم بعدَ جهادٍ طويلٍ، خاب رجاؤنا بمن آمنّا أنّهُ قادرٌ على كلِّ شيءٍ. ونحنُ نُسائلُهُ يوميًّا: لماذا تُميّزُ بعضَنا عن بعضٍ، وتمنحُ شفاءَك لهذا وتمنعهُ عن ذاك؟ لماذا لا تُنعِم به على أبرارٍ آمنوا بك وعاشوا حياةً تُرضيك؟ كلّها تساؤلاتٍ مُحقّة تدفعُنا نحو إشكاليّةٍ نطرحُها: ما غايةُ يسوعَ من الشفاءات؟

شفاءٌ يتخطّى الجسد

منحَ يسوعَ الشفاء الجسديّ لكثيرينَ. كان الناسُ يأتونَ إليهِ بمرضاهم ليلمسوا ولو طرف ردائهِ (مر 6، 56). منهم من انفتحت عيناهُ، ومن وقف نزفُها، ومن عادت يدُهُ صحيحة، ومن حمل فراشهُ ومضى. لكنّهم ماتوا جميعًا بعدها! ولم يبقِ شفاءُ يسوعَ أحدًا خالدًا – بحسبِ الجسد – إلى اليوم. حتّى لعازر الذي أخرجهُ يسوع من قبرِه بعد أربعة أيام، عادَ إليهِ فيما بعد. فيكونُ أنّ غايةَ يسوع من المُعجزات تتخطّى بُعدَها الجسديّ.

الشفاءُ الداخلي

في حدثِ شفاءِ المُخلّع (مر 2، 1-12)، جاءَهُ الرجالُ الأربعة مُلتمّسينَ منهُ الشفاء لمن يحملونه، مناضلينِ لانتزاعِ الشفاءِ بشتّى الوسائل. رغبتهم بالشفاء شابهت رغبةَ الأعمى والأبرص والنازفة بأن يُبرَؤوا من مرضهم. لكنّ يسوعَ لم يُقمهُ أوّلاً، بل غفرَ لهُ خطاياه! وحين تذمّر الفرّيسيّون منهُ، قال يسوعُ لهم صراحةً: “ما هو الأسهل، أن يُقال للمُخلّع: مغفورةٌ لكَ خطاياك، أم أن يُقال: قُم واحمل فراشك وامشِ؟”. كانَ أسهل على يسوع أن يكتفي بالعلامة الخارجيّة حتّى ينال إعجابَ النّاسِ وتصفيقَ اليهود. إلّا أنّهُ فضّلَ أن يشفي باطنَ المُخلّع، مُتحمّلًا عبءَ تذمُّرِ من طالبهُ بالمُعجزات مرارًا كشرطٍ للإيمان (متّى 16، 1). فشفاءُ الجسَد إذن، هو العلامة الخارجيّة لما هو أعظم، وهو مغفرة الخطايا، أي الشفاء الداخليّ.

الإيمانُ والشفاء

والحالُ أنّ شفاء الجسدِ، على أهميّتهِ، لا يكونُ إلّا علامةً ظاهرة خارجيّة لما يصنعه الله في باطنِ الإنسان. وقد يحوّل لهُ قلبهُ من دونِ أن يترُكَ في جسدهِ علامةً خارجيّة. وأن نَربُطَ إيماننا بالأحداثِ الخارجيّة فقط، يجعلُ منهُ إيمانًا ضعيفًا خاليًا من كلِّ معنى. وما أكثَرَ من تقودُهُم العاطفة خَلفَ ظواهرَ خارجيّة يعتقدونها سببًا للإيمان! فالإيمان هو سببُ الشفاء، وقد منحهُ يسوعَ لكثيرينَ لمّا رأى إيمانهم، ونعني بهِ الشفاءَ الداخليَّ الذي يطالُ جميعَ أبعادِ الإنسان، ويصيرُ بعدَها الشفاءُ الداخليُّ شهادةً حقّةً، تُعلِنُ أمام جميعِ الناس ما جرى في داخلِ الإنسان.

خلقٌ جديدٌ

إن كنّا نُريدُ من يسوعَ آيةً، فسيمنحُنا واحدةً من دونِ سواها. هي آيةُ يونان كما قالَ للفرّيسيّين، مُشيرًا إلى موتِهِ ودفنتهِ الثلاثيّة الأيّام وقيامتهِ المجيدة. ما صنعهُ يسوعَ منحَ لكلِّ واحدٍ منّا غُفرانَ الخطايا والحياةَ الجديدة. هذا يعني أنّنا في كلّ آنٍ خلقٌ جديدٌ بفضل فداءِ يسوع، بغضّ النظرِ عن ضعفنا وجهلنا وخطيئتنا وماضينا. إنّهُ الشفاءُ الحقيقيَ. أمّا شفاءُ الجسدِ فعلامة!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s