مسحةُ المرضى، لا الموتى

جرَت العادة بأن يستدعي أهلُ المُنازعِ خوريًا ليمنَحَ المريض المَسحةَ بالزيتِ المُقدّس، فينتقلَ هذا الأخيرِ بعدها إلى الحياةِ الثانية، فشاعَ بينَ الناسِ تَقليدُ تسميةِ المسحة “بالأخيرة” وحوّلَ الكثيرونَ اسم السرّ ليصير “مسحةُ الموتى”. ارتباطُ السرّ بلحظاتِ المَيتِ الأخيرة وتسمياتهِ الشعبيّة الخاطئة شوّه معانيهِ في أذهانِ الناس، وجعلهم يتجنّبونهُ، مُعتقدين أنّه نذيرَ شؤمٍ، أو أنّهُ مُعجِّلُ الموت. فصارَ مجرّدُ لفظ اسمهِ يثيرُ الرُعب في نفوسِ المرضى وأهلهم. فما هو سرّ مسحةِ المرضى الذي لاقى تراجعًا في مُمارستهِ في الآونة الأخيرة؟

لمسة الربّ يسوع

إنَّ أسرار الكنيسة، بقوّة الروحِ القُدُس وفعله، هي تحقيقٌ فعليٌّ وآنيٌّ للخلاص الذي حقّقهُ الربّ يسوع، وهي تستبقُ لنا المجد المُعدَّ لنا وتُدخلُنا فيهِ أسراريًّا.  وبالتالي، سرُّ المسحة هو حضور الربّ يسوع الفعلي وسط المرضى، وهو سرُّ عنايتِهِ بالمتألّمين كما اعتنى بهم أثناء وجودِهِ التاريخي بيننا. ففي كلِّ مسحةٍ ينالُها المريض، ينالُ لمسةَ الربّ يسوع الفعليّة كما لمسَ المُخلّع والأعمى والأبرص والنازفة.

أمّا الإشارة الكتابيّة الأولى لممارسةِ المسحة فهي في إنجيل القدّيس مرقُس، حيثُ كان الرُسُل يضعونَ الأيدي على المرضى ويمسحونهُم بالزيت فينالونَ الشفاء (مر 6، 13). وفي رسالة القدّيس يعقوب دليلٌ ثاني على ممارسة المسحة ببُعدها الأسراري في الجماعةِ المسيحيّة الأولى، بعد قيامة الربّ يسوع وصعوده إلى السماء: “هل فيكُم أحدٌ مريض؟ فليدعُ كهنة الكنيسة، وليصلّوا عليهِ، ويمسحوهُ بالزيتِ باسمِ الربّ” (يعقوب 5، 41).

شفاءُ النفسِ والجسد

تؤمنُ الكنيسة أنّ لسرّ مسحة المرضى مفعولُ شفاءِ النفسِ والجسد. ومن ينالُهُ، وإن لم يحصُل على الشفاء الجسديّ المنظور، ينالُ التعزيةَ في آلامِهِ، ممّا يُساعدُهُ أيضًا على فهمِ معناها. فلا يتردّدُ من شعرَ بالضيق أن يدعو الكاهنَ، ليختبرَ اللمسة الإلهيّة الشافية.

إحتفالٌ جماعيّ

ولأنّ الأسرار تتحقّقُ في الكنيسة، فلا يُمكنُنا أن ننزع عن سرّ مسحةِ المرضى بُعدهُ الجماعي. فهو صلاةُ الجماعة مع المريض ومن أجلهِ. لذلك، فمن الأفضل أن يُحتفلَ بهِ مع العائلة أو مع جماعةٍ ينتمي إليها المريض، أو إذا كان ذلك مُمكنًا في بعض الحالات، مع أبناء الرعيّة وفي كنيستها. أذكُرُ في اختباري الرعويّ البسيط، احتفالًا بمسحةِ المرضى في كنيسةِ الرعيّة، شارك فيه أبناء الجماعة التي ينتمي إليها المريض، وصلّوا من أجلهِ، فنالَ العزاء في شدّتهِ، ونلتُ أنا المُحتفلَ أيضًا عزاءً بسبب شهادةِ هؤلاءِ الحقّة، وشدّد إيماني ما رأيتُ فيهم من إيمانٍ بمفاعيل صلاةِ الجماعة.

في الختام، لا بُدّ من الإشارةِ أيضًا أنّ سرّ مسحةِ المرضى، ككلِّ الأسرار، ليسَ سحرًا يُمارسُهُ الكاهنُ علينا. بل هو اختبارٌ حقيقيٌّ لا يُغني عن المُرافقة قبل نوالِهِ وبعدها. فيعيشُ المؤمنُ مسيرةَ التزامٍ في الكنيسة يواظبُ فيها على المُشاركة في الأسرار. من شعر بألمٍ فليلجأ إلى الكاهن وليطلب مسحة الشفاء، لمسة الربّ يسوع، فينالَ العزاء، وليطلُب إلى الكنيسة أن تُرافقهُ وتُشدّدهُ فيُجاهدَ بفرحٍ في سبيل استحقاقِ النصرِ الذي أعدّهُ لنا الربُّ يسوع بموتِهِ وقيامتِهِ.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s