مسيحي وأومن بصيبة العين

ذهبت إلى الصائغ لتشتري لابن أختك المولود حديثًا صليبًا من الذهب، ودون أن يسألك، وضع لك البائع برفقته خرزة زرقاء، لأنّها وحدها تحميه من “العين الصائبة”. أو أنّك علّقت فوق باب بيتك، إلى جانب صورة القدّيس شربل، حدوة حصان، لتطرد تأثير الحاسدين.

غالبًا ما يخافُ الإنسان من الغيب ومن الأمور التي لا يجدُ لها أيّ تفسيرٍ علميٍّ منطقيّ، ويلجأُ إلى مجموعةٍ من الرموز والمعتقدات التي يبنيها على أساسٍ دينيٍّ في بعض الأحيان، أو التي يعطيها الغطاء الدينيّ لاحقًا في أحيانٍ أخرى، بهدف التأكيدِ على صحّتها. ومن الموضوعات التي تحظى بالكثير من التساؤلات والتي تجَمعُ حولها العديد من العادات والتقاليد تلك التي تتعّلقُ بالحياة ما بعد الموت، والمستقبل وما يخبّئُهُ للإنسان، والرؤى والأحلام، والمعجزات والخوارق، والمشاعر والأحاسيس ومصدرها. فالإنسان يخافُ أحيانًا من ما هو مجهول، ومن القوى التي قد تتسبّب له بالأذى، وبات الخلط بين ما هو مقدّس والعادات والتقاليد أمرًا طبيعيًّا قَبلتهُ مُجتمعاتنا المسيحيّة في مُعظم الأحيان، وأعطت للمعتقدات الشعبيّة أحيانًا غطاءات دينيّة، ورفعتها لمستوى المقدّسات، لأنّ المجتمع، وإن صحّ التعبير، هو من يصنع الدين، وإن جاز العكس أحيانًا قليلة.

أوّلًا، في البحث الميداني

توجّه البحث إلى عينة بسيطة من المسيحيّين الذين يؤمنون بصيبة العين، وأجابوا على أسئلةٍ طُرحت عليهم حول معنى العبارة ومن أين وصلت إلينا، وما إذا كان الإعتقاد بصيبة العين يتعارضُ والإيمان المسيحيّ، أو إذا كان الكتاب المقدّس يذكرُ شيئًا عنها. من الملفت أنّ جميع من آمن بصيبة العين أكّد على أنّها لا تتعارض والإيمان المسيحي بشيء، وأنّ البعض منهم حاول تقديم الحجج والبراهين “اللاهوتيّة”، والبعض القليل أكّد على أنّها تنبع من الكتاب المقدّس، دون ذكر المرجع صراحةً أو التوقّف على آيةٍ كتابيّة معيّنة، تُشير ولو بطريقة غير مباشرة على حقيقة تلك الظاهرة.

أمّا التفاصيل فتختلفُ من شخصٍ إلى الآخر، ولم تتشابه الإجابات إلّا بأشياء نادرة كبعض التسميات. وهذا ما يشير إلى بُعدٍ فرديٍّ لهذا المعتقد، حيثُ يبني كلُّ فردٍ معتقده الخاص نسبةً إلى اختباره الخاص، أو الحكايات والأقاويل التي توارثها، أو إنطلاقًا من حاجاته الحاضرة ومن مخاوفه من المستقبل.

ثانيًا، في ما يدور حول الإيمان بصيبة العين

من المعتقدات التي ترتبط بصيبة العين أنّ من يُصاب بالعين هو من كان “نجمه خفيف” وذلك يُشيرُ إلى ارتباط المـُعتقد بالتنجيم والتبريج وبالنظريّة القديمة التي تقول بوجود نجمٍ مخصّصٍ في السماء لكلّ إنسانٍ على الأرض. أو قد يُصاب من يمتلك الثروات الوفيرة أو من له الصحّة الكاملة أو الجمال الخارجيّ، أي بمعنى آخر، كلّ من له ما يُحسدُ عليه. على صعيدٍ آخر، من له القدرة على التأثير بالأشخاص والأشياء من خلال العين، فهو إمّا الشرّير، أو الحسود، أو من كان بدوره نجمهُ قويّ، أو من يتمتّع بمظهرٍ خارجيّ معيّن، كالعيون الملوّنة أو الأسنان غير المنتظمة.

بالنسبة لمحاربة شرور العين الفارغة أو الوقايةِ منها فنستطيع إيجاد الكثير من الوسائل. منها الخرزة الزرقاء في الرقاب، وحدوة الحصان على أعتاب البيوت، والحذاء الصغير في مؤخّرات السيّارات. ومنها أيضًا معتقدات أخرى لها طابع دينيّ مثل الأحجبة والتعايوز. والمسيحيّون المؤمنون بصيبة العين يستخدمون صور القدّيسين كسترةٍ واقية، أو حّتى يكتبون في الأحجبة آيات من الكتاب المقدّس، أو يقرؤون النصوص فوق رأس من قيل فيه أنّه مُصابٌ بالعين.

ثالثًا، في أصل الإعتقاد بصيبة العين

إختار الإنسانُ العين ليحمّلها القدرة البشريّة على التأثير بما هو حوله لأنّ الإنسان عرف أنّ العين هي نافذته نحو الآخر والأشياء، وهي مع باقي الحواس الخمس، السبيل إلى الإدراك. وحاجة الإنسان الأولى هي إلى إدراك ما غاب عن ناظرَيه. لا بدّ أن يعتقد التفكير البدائي أنّ للعين ميزات خارقة وقدرات تميّزها عن باقي الأعضاء. كما أخذ الإنسان يربطُ بين الأحداث والأشياء ليعطيها المعاني، كربط النظر إلى شيءٍ ما مع ما قد يحدثُ له بعدها.

رابعًا، في وجهة نظر اللاهوت المسيحي

لا يذكر الكتاب المقدّس أبدًا ولا حتّى بطريقة غير مباشرة كلّ ما يُنسب إلى العين وما يُحكى عنها من تأثيرٍ سحريّ شرّير خارق للطبيعة في الأشخاص والأشياء. أمّا يسوع فقد شفى العُميان من ناحيةٍ، وتحدّث في أكثر من موضعٍ على العين. يُشيرُ أنّها هي سراجُ الجسد، وإذا ما كانت نيّرة كان الجسد كلّه نيّرًا، وإذا كانت مظلمة فالجسد كلّه يكون مظلمًا (لو 11، 34). وفي حديثٍ آخر، يحذّر من شهوة النظر قائلًا أنّه خيرٌ للإنسان أن يقتلع عينه إذا كانت له سبب عثرة كي لا يذهب معها إلى نار جهنّم (متّى 5، 29). فالعين إذن هي كسائر الأعضاء نعمةٌ من الله وعطيّةٌ مقدّسة. فلا يُمكن لعضوٍ خلقه الله أن يكون شرّيرًا بذاته، ولا يُمكن ليسوع، هو الذي صار إنسانًا حقًّا، أن يحمل في جسده عضوًا ساقطًا. لذلك، فكلّ عضوٍ هو مقدّس. لكنّ يسوع يُحذّر من سوء استعمال النظر في الشهوة أو الحسد أو الحكم على الآخرين. وإذا كان للعين الحاسدة القدرة على إلحاق الضرر بشخصٍ ما، فهي لا تؤذي إلّا صاحبها، لما تُدخل في قلبه من ظلماتٍ ولما تنمّي فيه من أنانيّةٍ وحبٍّ للذات.

إستعمال الصور والقلادات كسلاحٍ في وجه العدو غير المنظور، وبعض الصلوات لطرد العين ولحماية الأرزاق من الحسد التي نجدها في الكتب القديمة هي لا تنبع من عقيدة مسيحيّة ثابتة، بل من عادات وتقويّات شعبيّة بحتة. ومن يسمع الربّ يقول لنا مرارًا لا تخافوا، ليس له أن ينزلق في ترهات المجتمعات المتغابية خوفًا ممّا يُرى وممّا لا يرى. فالله هو صانعها، وبيسوع كان كلّ شيء، ومن يتّكل عليه، لا يخافُ سوءًا ولو سار في وادي ظلال الموت.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s