مشروعي الكهنوتي

أنتم في العالم…

في عالمٍ فرديٍّ يفقتدُ معنى الوجود، يتوسّلُ أهلُهُ من يعطيهم خبز الحياة (يوحنّا 6، 34) ومن يسقيهم من ذاك النبع الذي لا ينضب (يوحنّا 4، 15). في عالمٍ يُدركُ أنَّ يسوع هو الحقّ، ويبحث بنوهُ عن وجهه في وجوه خاصته. في عالمٍ يصرخُ إليه كلّ يومٍ “تعال أيّها الربّ يسوع” (رؤيا 22، 20).

في بلدٍ كثرت فيه الطوائف وقلّ فيه الإيمان. كثُر فيه الزعماء وقلَّ فيه الرعاة. في زمنٍ أصبحت فيه الحياة المكرّسة حماقةً وضربًا من الجنون، قرّرت أن أكون مجنونًا!  فيسوع قبض عليّ، ومذّاك أنا سجينٌ لديه. وحده سجين يسوع هو حرٌّ طليقٌ في هذا العالم.

لكنّكم لستم من العالم

جذبني يسوع، فسرت معه. لم أختره أنا بل هو اختارني (يوحنّا 15، 17). حاولت كثيرًا أن أفهم لماذا اختارني أنا. لكنّ حكمة الله في اختيار الأشخاص تتخطّى فهمنا البشريّ. هو يدعونا مجّانًا، ويهبُ كلّ من يدعوه النعمةَ الكافية ليخدم الكنيسة. هو أرادني خادمًا لهذا العالم، وهاءنذا أقدّم ذاتي لأعمل مشيئته.

أريد أن أترك كلّ ما في هذا العالم، وأحسب كلّ شيءٍ نفايةً لكي أربح المسيح (فيليبّي 3، 8). أَتركُ كلّ شيءٍ وأتبع يسوع، وحده، كي أستطيع أن أخدم من هم في هذا العالم.

حيثُ أكونُ أنا، هناك يكونُ خادمي …

يسوع ما جاء ليُخدَمَ، بل ليخدُمْ (متّى 20، 28). وليلة العشاء الأخير، حين بلغ به الحبُّ إلى الغاية، قام عن العشاء، وأخذ يغسل أرجل التلاميذ (يوحنّا 13، 1). ما أعظم ذاك الحبّ الذي يبذل ذاته من أجل أحبّائه (يوحنّا 15، 13)!

جذبتني صورة يسوع الخادم، وأفهمني في مسيرتي معه أنّه يريدني خادمًا على مثاله. واليوم، أنا أسعى لأن أحبّ خاصته الذين في العالم بهذا المقدار من الحبّ. أرغب بأن أفني العمر أغسل أرجل من وضعهم حولي. أُريدُ أن أكون خادمًا له، وأن أكون حيثُ هو، فأرى عرشه عند أقدام الفقراء والمساجين، الزناة والعشّارين، العجزة والمهمّشين.

… طوبى  لذاك الخادمُ الأمين

اليوم أتعهّد بأن أقوم بخدمتي كاملةً، بحسب دعوة الله، وكما تعلّمني أمّي الكنيسة: 

أن أكون نبيًّا يعلّم، وملكًا يدبّر وكاهنًا يقدّس. فكنيستنا بحاجةٍ لأنبياء، يقولون الحقّ ولا يهابون شيئًا. ملحًا للأرض ونورًا للعالم (متّى 5، 13-14). يعلنون كلمة رجاءٍ، لمن يلتمسها. يحملون فرح الإنجيل وينطلقون شهودًا حتّى أقاصي الأرض (أعمال 1، 8). وكنيستنا تحتاج ملوكًا أقوياء، حكماء لرعاية الشعب، بأيديهم صولجان الخشب وفي صدورهم قلوب الذهب. يسهرون على وحدة القطيع، ويقودونه إلى المراعي الخصيبة. كنيستي الحبيبة تريدُ كهنةً، يقرّبون ذواتهم، يموتون فوق مذبح العالم، وما أجمل الموت في الربّ (رؤيا 14، 13). 

هي تريدُ كهنةً يؤمنون بكهنوتهم، ويعرفون أن ذبائحهم تخلّص نفوسهم وتخلّص العالم.

وأنا أضع ذاتي بكلّيتها في خدمة الكنيسة، وممّا أعطاني الربّ أقرّب له. كلّ موهبةٍ وهبها لي سأبذُلها في الكنيسة. عظيمٌ هو الربّ، كيف أكافئه على ما أعطاني؟ (مزمور 116، 12) كلّ ما أعمله هو تسبيحٌ وتمجيدٌ لاسمه القدّوس. أسبّح الربّ ما دمت أحيا (مزمور 146، 2).

ختامًا، ما كتبته ليس شعرًا وما هو بنصٍّ مبتذلٍ، أو وعودٍ فارغة يمحوها الزمن. لم أكتب ما كتبت فقط لأنّ سيادة المطران أوصاني بذلك، أو لكي يوضع هذا المشروع على صفحات مجلّة “كنيستنا”، يفرحُ القرّاء بكلماته الرنّانة. ما أقدّمه هو مشروع حياةٍ قرّرت الالتزام به حقًّا. 

أيّها القارئ، صلّي لي لكي أحيا ما أقول، لأنّي يوم لا أفعل، أكون قد خسرتُ نفسي، ولو ربحتُ العالم كلّه (متّى 16، 26).

في عيد القدّيسة ريتا، 22 أيّار 2014

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s