نزلَ إلى الجحيم

فدانا بموتِهِ فأحيانا (2)

ماتَ ابنُ اللهِ ونزلَ إلى الجحيمِ مُعانِقًا كلَّ موتِ الإنسانِ وموتَ كلِّ إنسان. نزلَ ليَقضيَ على الموتِ في معركةٍ أخيرةٍ في عقرِ دارِه. كانَ لا بُدَّ أن يُبيدَ الموتَ وينزعَهُ مِن جذورِهِ، فاستأصلَ هُناكَ الخطيئةَ الَّتي أدخلَتِ الموتَ إلى العالمِ، وغلبَ الشرِّيرَ الَّذي أغوى الإنسانَ وأبعدَهُ عن (شجرةِ) الحياة. نازلَ أميرُ النورِ أميرَ الظلامِ وغلبَهُ مُعلنًا نصرَهُ النهائيّ. نزلَ في الموتِ، غلبَهُ والشيطانَ، ورفعَنا إلى الحياة.

بالطبعِ، لا نجدُ في الكتابِ المُقدَّسِ تفاصيلَ أحداثِ السبت. نجدُ بينَ آياتِ العهدِ القديمِ، في سفرِ المزاميرِ مثلًا، بعضَ التلميحِ إلى نزولِ الربِّ إلى الأعماقِ، ووجودِهِ فيها، وارتفاعِهِ مِنها. ورأى آباءُ الكنيسةِ في بعضِ شخصيَّاتِ العهدِ القديمِ استباقًا لشخصِ يسوعَ، يُنبئُ بنزولِهِ الخلاصيِّ إلى الأعماق. نذكرُ مِنها يوسفَ في البئرِ، ودانيالَ في جُبِّ الأسود، ويونانَ في بطنِ الحوت. وكما نجَّى اللهُ أنبياءَهُ مِن هُوَّاتِ الموتِ، كذَلِكَ أقامَ اللهُ ابنَهُ يسوعَ مِن مثوى الأمواتِ، وبِهِ أقامَ جميعَ مَن في الأعماقِ ومنحَهُم الحياة.

أمَّا الأناجيلُ الَّتي تروي تفاصيلَ أحداثِ الجُمعةِ فلا تتكلَّمُ على السبتِ، لأنَّ السبتَ يومُ الصمت. فيما كانَ سيِّدُ الحياةِ مائتًا، صمتَتِ الحياة. سكنَتِ الأرضُ وما فيها، لكنَّ الأعماقَ اضطربَت بمَن جاءَ يُفرِغُها. خيَّم الظلامُ على المعمورةِ لأنَّ النورَ احتجبَ في قبرِهِ، ليسطعَ في ديجورِ الجحيم. فيما كانَ الربُّ في الموتِ كانَ الموتُ يُنازِعُ ويلفظُ المائتينَ مُرغمًا. شهدَ متَّى الإنجيليُّ أنَّهُ حينَ صرخَ الربُّ صوتَهُ الأخيرَ وأسلمَ الروحَ، رأى أهلُ الأرضِ أهلَ الأعماقِ يقومونَ مِن قبورِهِم ويدخلونَ المدينةَ المُقدَّسة.

اعترفَ الرسلُ الأوَّلونَ وأعلنوا، منذُ بدايةِ بشارَتِهم، أنَّ الربَّ بعدَ موتِهِ وقبلَ قيامتِهِ، مكثَ في مثوى الأموات. في عظةِ بطرسَ العلنيَّةِ الأولى، بعدَ أن سرَدَ أحداثَ تاريخِ الخلاصِ، أعلَنَ أنَّ اللهَ لَم يترك مسيحَهُ في الهاويةِ، ولم يدَعهُ يرى فسادًا، بَل أقامَهُ ناقضًا أوجاعَ الموتِ، إذ لَم يكُن للموتِ مُمكنًا أن يُمسِكَ به. كما أعلنَ في رسالَتِهِ الأولى أنَّ المسيحَ ذهبَ ليبشِّرَ الأرواحَ الَّتي في السجنِ أيضًا. ومُذَّاكَ ظلَّت الكنيسةُ أمينةً على الإيمانِ الَّذي تسلَّمَتهُ مِنَ الرسلِ حتَّى يومِنا هذا.

إذَن، ماتَ حقًّا ابنُ اللهِ ونزلَ إلى الجحيم. هبطَ إلى الأعماقِ ليُتابعَ ما كانَ قد بدأَهُ في حياتِهِ العلنيَّةِ بينَ الناسِ، إذ أعلنَ الخلاصَ وعلَّمَ، وغفرَ الخطايا، وشفى المرضى وأقامَ الموتى. هبطَ ليُتابعَ ما حقَّقَهُ على الأرضِ بصلبِهِ وموتِهِ.

نزلَ الربُّ حاملًا البُشرى إلى الساكنينَ في الهوَّة. كثيرونَ سبقوهُ وتاقوا إليهِ لكنَّهُم ماتوا قبلَ أن يعرفوه. نزلَ ليرفعَ مِن الهوَّةِ آدمَ، الإنسانَ الأوَّلَ، ومعهُ حوَّاء. نزلَ ليلتقيَ مُبشِّرًا هابيلَ ونوحَ وإبراهيم وأبرارَ العهدِ القديمِ وأنبياءَهُ الَّذينَ تنبَّأوا بمجيئِهِ وانتظروه. فالبشرى الَّتي جاءَ يسوعُ يُعلنُها هي للجميع. شملَ الخلاصُ المُحقَّقُ، صلبُهُ وموتُهُ وقيامتُهُ، جميعَنا، أينما كنَّا في أماكِنِ الأرضِ، مَن كنَّا قبلَهُ ومَن أتَينا بعدَه.

نزلَ الربُّ ليستأصِلَ الخطيئةَ ويقتلعَها مُنقذًا الإنسانَ مِن سطوتِها. يعتقدُ البعضُ تخفيفًا، متأثِّرينَ بتقويَّاتٍ سطحيَّةٍ، أنَّ الخطيئةَ حادثٌ أخلاقيٌّ طارئٌ، وكأنَّها ليسَت إلَّا أعراضَها الخارجيَّةِ، مِن قتلٍ وسرقةٍ وزنىً وكذب. لو كانَت الخطيئةُ بسيطةً إلى هذا الحدِّ لكانَ الحدُّ مِنها يكونُ ببعضِ أعمالِ البرِّ والصلاحِ، ولكانَ الإنسانُ استطاعَ تبريرَ نفسِهِ مِن دونِ أيِّ تدخُّلٍ إلهيّ. إنَّما الخطيئةُ فوجوديَّة. تأصُّلُها في الإنسانِ جعلَ مِن موتِهِ وجوديًّا. والربُّ اختبرَ الموتَ الوجوديَّ لكي يَعتُقَ الإنسانَ مِنها ويغلِبَ الشرِّيرَ الَّذي يُحرِّضُ عليها.

هُناكَ، في أعماقِ الجحيمِ صارعَ الربُّ الشرَّ والشرِّيرَ ليخرجَ مُنتصرًا. ليسَت قيامتُهُ مُعجزةً هزيلةً، أو خروجًا مسرحيًّا مِن قبرٍ أرضيٍّ كسائرِ القبورِ، بل انتصارًا أبديًّا أشركَنا فيهِ جميعًا. شاركَنا الربُّ مصيرَنا المائتَ ليمنَحنا أن نُشاركَهُ الحياة.

يتبع…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s