ماتَ ابنُ الله

فدانا بموتِهِ فأحيانا (1)

حيٌّ هو الله. لو لَم يكُن حيًّا لما كانَ الله. وحياةُ “اللهِ-الحياةِ” أبديَّةٌ، لا موتَ فيها كما حياتُنا. لا نعجبُ إن قيلَ في أحدِهِم أنَّهُ تألَّمَ وماتَ وقُبرَ، لأنَّ حياةَ الإنسانِ ألمٌ ينتهي بالموتِ الأكيد. لكنَّ العقلَ يحارُ بسرِّ ابنِ اللهِ الحيِّ، الَّذي تألَّمَ وماتَ وقُبر.

اللهُ الَّذي شاءَ أن يُخلِّصَنا ويُشركَنا بحياتِهِ الإلهيَّةِ، تمَّم مشيئتَهُ بنوعٍ عجيبٍ، إذ أرسلَ لنا ابنَهُ الحبيبَ، ليأخذَ طبيعتَنا البشريَّةَ، ويُشابهَنا بكلِّ شيءٍ، ما خلا الخطيئةَ، ويموتَ موتَنا عَنَّا ومِن أجلِنا، ويجذبَنا بقيامتِهِ ارتفاعًا نحوَ حياةٍ أبديَّةٍ لا تفنى.

قبِلَ الابنُ مشيئَةَ الآب. حُبًّا وثقةً بالآبِ قبِلَها. وقبِلَها حبًّا بنا أيضًا. احتمَلَ يسوعُ بنوعٍ كاملٍ أقسى الآلامِ النفسيَّةِ والجسديَّة. اختبرَ الذُلَّ والتَركَ والمهانةَ، اختبرَ الأوجاعَ والجوعَ والعطشَ والإرهاقَ، وتكلَّلَت آلامُهُ بموتِ العارِ على الصليب. احتملَ عِقابَ المُجرمينَ، وهو لا ذنبَ لهُ، ليمنحَ التبريرَ لكلِّ خاطئ. اقتيدَ كالعبدِ واحتملَ السجنَ والجلدَ، وهو السيِّدُ، ليمنحَ التحريرَ لكلِّ أسير. قَبِلَ الموتَ الأقسى والأفظعَ، ليتَّحِدَ بآلامِ جميعِ الناسِ ومآسيهِم. بقبولِهِ لم يرضخ لميتتِهِ الخاصَّةِ كسائرِ الناسِ، بل اختارَ الموتَ عن سائرِ الناسِ ومِن أجلِهم.

حكمةُ اللهِ في تخليصِنا تفوقُ العقولَ والمدارك. لا يعرفُ عَنها شيئًا إلَّا مَن استنارَ بالروحِ القدس. أمَّا نحنُ اليومَ فيلجأُ بعضُنا للتخفيفِ ليجعلَ الحدثَ أكثرَ تطابقًا معَ منطقِهِ المحدود. وما الهرطقاتُ عبرَ الزمَنِ سوى تخفيفٍ أو اجتزاءٍ لتبسيطِ ما يصعبُ على العقلِ البشريِّ أن يحتويَهُ. قد نجدُ مثلًا مَن يقولُ في موتِ يسوعَ، الَّذي اتَّحَدت فيهِ الطبيعتانِ الإلهيَّةِ والإنسانيَّةِ يومَ تجسَّدَ، أنَّ الطبيعةَ الإنسانيَّةَ وحدَها ماتَت على الصليب، أمَّا الطبيعةُ الإلهيَّةُ فغيرُ مائتةٍ وقامَت للحياةِ الأبديَّة. اعتقادٌ مثلُ هذا، لساذجٌ وسخيفٌ لأنَّ الطبيعةَ بحدِّ ذاتِها لا تموت. المُعلَّقُ على الصليبِ هو شخصُ يسوعَ بطبيعتَيهِ المُتَّحدتَينِ بغيرِ انفصالٍ قبلَ الموتِ وفيهِ وبعدَه.

وتخفيفٌ آخرٌ يقولُ أنَّ يسوعَ ثائرٌ مُتمرِّدٌ اعتلى صليبَهُ كما ملكٌ على عرشٍ، لا يُخضِعُهُ ضربُ الجُندِ، ولا تُخجِلُهُ إهاناتُ المُتفرِّجينَ، ولا يُحزِنُهُ هروبُ التلاميذ. وكأنَّ أصحابَ الاعتقادِ هذا، يتصوَّرونَهُ إلهًا بطَّاشًا، يُحمِّلونَهُ رغباتِهِم بالتمرُّدِ على الأنظمةِ والمجتمعاتِ والعاداتِ والتقاليد. يُشبهونَ بعضَ اليهودِ الغيارى الَّذينَ أرادوا يسوعَ قائدًا عسكريًّا وملكًا زمنيًّا على إسرائيل. يُريدونَهُ قويًّا بحسبِ منطقِ العالمِ، مُحاكيًا أفكارَهُم الخاصَّة. فيُنكرونَ الخضوعَ الَّذي اختارَهُ مِن أجلِ تخليصِنا. مَن حملَ طبعَنا الإنسانيَّ قاسى الألَمَ الحقيقيَّ واقتيدَ إلى الذَبحِ كالحملِ الوديعِ ولَم يفتَح فاه. ماتَ البريءُ بينَ لصَّينِ فوقَ خشبةِ العارِ، مُعرًّى مِن ثيابِهِ، تنظرُ عورتَهُ الجموعُ فتشمئزُّ مِنه. الَّذي اتَّحدَت فيهِ المشيئَتانِ الإلهيِّةِ والإنسانيَّةِ، اختارَ الخضوعَ لمشيئَةِ الآبِ ومشيئَةِ الناسِ، لا التمرُّدَ، حُبًّا بالآبِ وبالناسِ. علَّمَنا أنَّ الحُبَّ يبلغُ غايتَهُ في الخضوعِ للهِ مِن أجلِ الآخرين.

وتخفيفٌ آخرٌ يقولُ أنَّ يسوعَ قامَ لحظةَ موتِهِ مُباشرة. هذا يرتبطُ بمفهومِنا المُعاصرِ للموتِ، إذ نحدُّهُ بلحظَةِ انتهاءِ الحياةِ الماديَّةِ البيولوجيَّة. أمَّا الموتُ فهو امتدادٌ بعدَ الحياة. اعتقدَ الأقدمونَ بالجحيمِ، مثوىً للأمواتِ، يذهبُ إليهِ جميعُ المُنتقلينَ مِن هذهِ الحياة، وبأنَّهُ مكانٌ أرهبُ مِن حدثِ الموتِ بذاتِهِ، لأنَّهُ حتميٌّ، لا خيارَ للإنسانِ في تجنُّبِهِ، ولا معنى فيه. هو الموتُ الوجوديُّ الَّذي يفوقُ موتَ الجسدِ فظاعة. اختارَ يسوعُ أن يموتَ اتِّحادًا بموتِنا، لا بحسبِ الجسدِ وحسبُ، بل موتًا وجوديّا. القديرُ قبِلَ حتميَّةَ اللَّامعنى. تابعَ مسيرَةَ تجسُّدِهِ نزولًا حتَّى بلغَ أعماقَ الموت. نزلَ يسوعُ ابنُ اللهِ إلى مثوى الأمواتِ ومكثَ بينَهُم أيَّامًا ثلاثة.

لم يقُم الربُّ مِن موتٍ ناقصٍ ما عرفَهُ كاملًا. بل قامَ مِن عُمقِ الجحيم. في مكانِ الموتِ، في عُقرِ دارِهِ، غلَبَهُ نهائيًّا وقام!

يتبع…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s