قامَ مِن بينِ الأموات

فدانا بموتِهِ فأحيانا (3)

غلبَ سيِّدُ الحياةِ الموتَ وسيِّدَهُ، وأقامَهُ الآبُ بقوَّةِ الروحِ القدسِ مِن أعماقِ الجحيم. بعدَ أن اشتركَ الابنُ بآلامِنا وموتِنا، أقامَهُ الآبُ ليُقيمَنا معَهُ للحياةِ الأبديَّةِ الَّتي لا تزول. كسَّرَ الربُّ أبوابَ العالمِ السُفليِّ، حطَّمَ سلاسلَ الخطيئةِ وأغلالَها، أزلَّ الشرِّيرَ السجَّانَ وقيَّدَهُ، فصارَ الخلاصُ التَّامُ للجميع. فلا يتسلَّطنَّ الموتُ بعدَ الآنِ على الإنسانِ ولا يحبِسنَّهُ بجوفِهِ، لأنَّ المسيحَ الربَّ شاركَنا بآلامِنا وموتِنا ليُشرِكنا بحياتِهِ. ماتَ معَنا لنقومَ معَه.

شاءَ اللهُ أن يمنحَنا بابنِهِ القيامةَ للحياةِ الحقَّة. لَم يُقِمهُ مِن شبهِ موتٍ إلى شِبهِ حياة. يعتقدُ البعضُ تخفيفًا أنَّ قيامةَ الربِّ هي عودتُهُ لحياةٍ أرضيَّةٍ، يُتابعُ فيها عيشتَهُ بينَ الناس. في الواقعِ، إنَّ اللهَ أعادَ قبلَ القيامةِ كثيرينَ إلى الحياةِ الأرضيَّةِ، مثلَ ابنِ الأرملةِ وابنةِ يائيرَ ولعازر. لكنَّ هؤلاءِ عائدونَ وليسوا قائمين. عادوا للحياةِ الفانيةِ، أمضوا فيها بضعةَ أيَّامٍ ثُمَّ ماتوا. أمَّا المسيحُ فقد انتزعَهُ الآبُ بقوَّةِ الروحِ القدسِ، ليسَ مِن موتٍ جسديٍّ وحسبُ، بل من الموتِ الوجوديِّ، وأقامَهُ للحياةِ الَّتي لا تفنى، فلا يُدركُهُ الهلاكُ أبدًا.

شاءَ اللهُ أن يمنحَنا بابنِهِ القيامةَ للحياةِ الحقَّةِ، فأجلسَهُ على عرشِ مجدِهِ، مفتتحًا ملكوتَهُ ليستقبِلنا. يعتقدُ البعضُ تخفيفًا أنَّ المسيحَ دحرجَ حجرَ القبرِ وخرجَ مُستعرضًا، على مرأًى مِن الجنودِ يُرعِبُهُم، ثُمَّ مكثَ أربعينَ يومًا يرتحلُ بينَ أرضٍ وسماءٍ، يظهرُ أحيانًا ويختبئُ أحيانًا أُخرى. لكنَّ قيامةَ الربِّ ليسَت أفقيَّةً بل عاموديَّة. لَم يدخُل قبرَهُ بعدَ الصليبِ ليَخرجَ مِنهُ لاحقًا إلى حياةِ الأرضِ، بل هبطَ بعدَ الصليبِ والقبرِ إلى الأعماقِ، ليرتفعَ لاحقًا إلى قبَّةِ السماءِ، ويصيرَ باكورةَ القائمين.

لا يذكرُ أيٌّ مِنَ الإنجيليِّينَ خبرَ خروجِ الربِّ مِن قبرِهِ. فإنَّ الحجرَ الَّذي جُعِلَ على بابِ القبرِ تأكيدًا لحدثِ الموتِ، دُحرِجَ، لا ليسمحَ للقائمِ أن يخرجَ، بَل ليسمحَ للنساءِ والرسلِ أن يعاينوا فراغَهُ فيؤمنوا.

تراءَى بعدَها الربُّ لكثيرين. الترائياتُ عادةً كشفٌ سماويٌّ، أي زيارةُ السماءِ إلى الأرض. تؤكِّدُ ترائياتُ الربِّ أنَّهُ كانَ قَد صعِدَ منذُ قيامتِهِ إلى السماء. زارَ الأرضَ مرَّاتٍ عدَّةٍ وتراءَى مُعزيًّا ومُقويًّا، يُرشدُ جماعتَهُ ويحثُّها على حملِ البشارةِ إلى العالم. أمَّا في اليومِ الأربعين، فكانتِ الزيارةُ الأخيرة. يومَها كلَّمَ الربُّ رسلَهُ مُجتمعينَ للمرَّةِ الأخيرةِ وسلَّمَ الكنيسةَ رسالَتَها. أنهى مرحلةَ الترائيات، ثُمَّ صعدَ بمجدِهِ على مرأًى مِنهُم.

إذَن، ليسَت القيامةُ مُعجزةَ إعادةِ إحياءٍ، أو خروجًا عاديًّا مِن قبرٍ عاديٍّ، بل انتصارًا مُحقَّقًا ودائمًا بعد معركةٍ أخيرةٍ على الموتِ وقوَّاتِهِ. بقيامتِهِ غلبَ المسيحُ، لا ميتتَهُ الخاصَّةَ فقط، بل الموتَ، كلَّ الموت. مَن قبِلَ كلَّ الموتِ انتصرَ على الموتِ كلِّهِ وأعطانا كلَّ الحياة. يعتقدُ البعضُ تخفيفًا أنَّ الموتَ لا يزالُ يُلاحقُنا، وأنَّ الشريرَ يمارسُ إلى اليومِ سلطانَهُ علينا. مَن يعتقِد بسُلطانِ الشرِّيرِ لَم يعرِف القيامةَ بعدُ، فلنُخبرهُ عنها! ومَن يعتقدُ بسطوةِ الموتِ لا يعرفُ الرجاءَ بعدُ، فلنبشِّرهُ بِه! أعداءُ الإنسانِ هُزِموا! وحدَهُ مَن يرفضُ القيامةَ يجعلُ مِن نفسِهِ أسيرًا لهُم. أمَّا نحنُ مَن اعترفنا بقيامةِ الربِّ فقدَ اقتبلنا مِنهُ حياةً لا يمسُّها موتٌ ولا يقوى عليها شرِّير.

تبدَّلَ الإنسانُ بقيامةِ الربِّ إذ صرنا بهِ قياميِّين. كانَ اللهُ قَد أشركَنا بقُدرتِهِ على الخلقِ وإعطاءِ الحياةِ، مُذ خلقَنا على صورَتِهِ كمثالِهِ، وسلَّطنا على الأرضِ وما فيها، ودعانا لنكثُرَ ونملأَها. لكنَّنا خسِرنا النعمةَ بالمعصية. أمَّا القيامةُ فأصلحَت جبلَتنا الَّتي أفسدَتها الخطيئة. أصلحَت بينَنا وبينَ الآبِ وصالحَتنا معَ الأرضِ وما فيها.

الخلقُ خلقُنا الأوَّلُ والفداءُ خلقُنا الثاني. بالفداءِ اكتملَ الخلق. حقَّقَ الابنُ بخلقِنا الثاني مشيئةَ الآبِ الَّذي شاءَ لنا الحياةَ مُنذُ الخلقِ الأوَّل، ولَم يُغلق أحشاءَهُ عنَّا بعدَ أن تمرَّدنا. في العهدِ القديمِ، أعلنَ اللهُ نفسَهُ حيًّا إلهَ أحياءٍ، وفي العهدِ الجديدِ، أعلنَ المسيحُ أنَّهُ القيامةُ والحياة. بقيامَتِهِ جبلَنا الربُّ خلقًا جديدًا وجعلَنا قياميِّين. مَن أخذَ طبيعتَنا الإنسانيَّةَ صيَّرَ طبيعتَنا أهلًا للقيامة. فالآبُ إذ أقامَ الابنَ، جعلَهُ أيضًا مُقيما. انتزَعَهُ الآبُ مِن موتِهِ، وانتزَعَنا بدورِهِ مِن موتِنا. ثُمَّ وهبَ لنا روحَهُ المُحيي، حتَّى إذا اعترفنا بالقيامةِ وحيَينا بهِ، قادَنا إلى مجدِ القيامةِ المُعدِّ لنا.

المسيحُ قام… حقًّا قام!

رأي واحد حول “قامَ مِن بينِ الأموات

اضافة لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: