بالقربِ من فراشِ الموت

ما أعمق اختبار مرافقَةِ مريضٍ يُحتَضَرُ في لحظاتهِ الأخيرة على فراشِهِ. فأنت مع كلِّ لمسةٍ تلمسُهُ إيّاها، تشعُرُ وكأنّك تلمسُ الموتَ بيدَيك، وعند قدمَيهِ تتأمّلُ سرّ الحياةِ. تُجاورُ تاريخَ إنسانٍ ناضلَ أحوالًا وأيّاما، فتُفكّرُ وأنت تتأمّلُهُ بجهادِكَ أنت. وأنت تتفرّسُ فيهِ، تُفكّرُ بما يشعُرُ بهِ الآن، وتحاولُ تَقَصّي البسمة في قِسَم وجهِه، وأنتَ ترغبُ بأن تتلمّسَ رضاهُ عن خدمتِكَ له. ترى فيهِ، بعضًا من ذاتكَ، طريحَ السريرِ نفسه حينَ يحينُ حينُكَ، فتخدُمَه وتخدمَ معه ذاتكَ في ذاته.

كرامةُ المُنازعِ والمُحتَضَر

في عائلاتِ اليومِ عُجَّزٌ ومرضى ومُحتَضَرينَ يُزيّنون زوايا البيوت. بعضُهُم يتكلّمُ وبعضُهُم فضلَّ الصمت. منهم من يحتاجُ العنايةَ الشاقّة لقسوِ حالتهِ أم لكثرةِ تطلّبهِ، ومنهُم من يقبعُ في مكانِهِ، تختبرُ أمامهُم عجزًا يُشابهُ عجزَهُ. أن يكونَ المُحتضَرُ كثيرَ التطلُّبِ وقليلَ التفاعلِ لهُ التأثيرُ السلبيُّ في نظرتنا إليه، فقد يصير أمامنا كما الأشياء التي نتعاملُ معها.

لا ينزعُ العجزُ عن الإنسان كرامتَهُ البشريّة. فهو بيننا يبقى إنسانًا على صورةِ الله. وفي ألمهِ نتأمّلُ آلامَ يسوعَ المتألِّمِ معنا. لا بدَّ من التذكيرِ أنَّ كرامةَ الشخصِ البشريِّ متماهيةٌ مع طبيعتِهِ ولا يُمكنُ نزعها عنهُ، مهما تبدّلت أحوالهُ.

ثلاثةٌ: اللّمسةُ، والمرافقةُ، والصلاة

أمّا عجزُنا أمام المنازعِ فنذلِّلُهُ بثلاثةٍ قد نفعلُها من أجلِه. الأولى هي أن تكونَ كلُّ لمسةٍ لهُ هي لمسةُ شفاء، تُشبهُ لمسةَ يسوعَ لكلِّ مريضٍ وضعَ يدهُ عليه، ولمسةَ الرسلِ لمن احتاجوها في كتابِ الأعمال. فالمُنازعُ يشعرُ بحبِّ من يخدُمهُ، وهو يحتاجُهُ ليخفِّفَ له ثقل ألمه. وفي لمستِنا، يختبرُ رجاءَ لمسةِ الربِّ يسوعَ له.

والثانية تكونُ بمرافقةِ سؤاله، لأنَّه، وهو يقفُ على مسافةِ أيّامٍ قليلةٍ من الموت، يتساءَلُ عمّا سيأتي بعدهُ. فلا بدّ لنا أن نتحلّى أمامهُ بالرجاءِ المسيحيِّ وأن نُشدّده إذا ما ساورهُ الشكّ. قد يكونُ أحيانًا وقوفُنا الصامتُ أمامهُ أجدى من الكلمات، فيجدَ عزاءَهَ في بقائِنا إلى جانبه.

وأخيرًا، يبقى علينا أن نصلّي مع المُنازِعِ ومن أجلِهِ. أن نُمسكَ يدهُ ونتلوَ معهُ حبّاتَ سُبحتهِ الأخيرة. أن نجثو بالقربِ من فراشِهِ سائلينَ الربَّ يسوعَ أن يخفِّفَ من آلامِهِ ولو القليل. ولنكُن المبادرينَ بطلبِ سرِّ مسحةِ المرضى لهُ، لما يمنحهُ السرُّ من شفاءٍ لنفسِهِ ولجسدِهِ.

لا نجزعْ أمامَ عجزِ المُحتَضَرِ، فلنا القوّةُ بفعلِ الكثيرِ لهُ. وإذا ما تعبنا واستُنزِفَت طاقاتُنا، فلنطلب من الربِّ يسوعَ أن يمدَّنا بالقوّةِ التي نحتاجُها لنكونَ لهُ خيرَ رفيق. ولا يغيبنَّ عنَّا أنَّ في المتألِّمِ نرى اللهَ يتجلّى بمجدٍ عظيم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s