المسيحيّون والجدالات: هل يحتاجُ اللهُ لمن يُدافِعُ عنهُ؟

إشتهرَ العربُ باقتتالهم الطائفيّ التاريخيّ الذي لم يتوقّفْ منذُ نشأتِهِم، وقد نقلوا حروبَهُم الطائفيّة مؤخّرًا إلى عالم الإنترنت. ولم يفوّتوا الفُرَصَ السانحة للشتمِ والإهانة والتعيّير. أمّا المسيحيّونَ العرب فقد دخَلَ بعضهُم المعركة وتفانوا بممارسة جميعِ أنواعِ الشتمِ، ممّا وَفَّرَتهُ لهُم الثقافة السائدة، بحجّة الدفاع عن إيمانهم. لذلك، لا بُدَّ من إلقاء الضوءِ على السلوكِ المسيحيّ بشكلٍ عامٍ في الجدالات الحاليّة، خصوصًا الانحرافات المُنتشرة في عالم الانترنت التي لا تُشبهُ المسيحيّة بشيء.

جدالاتٌ بيزنطيّة وتكفير

لا يتأخّرُ المسيحيّون بتسجيلِ المواقفَ من الأحداثِ والأمورِ الّتي تمَسُّ عقيدتَهم بشكلٍ مُباشر، أو التّي تُجرِّحُ برموزهم، أو حتّى الّتي تُهدِّدُ مُجتمعهم علمًا أنّهُم من الأقليّات الدينيّة في المنطقة. فردُّ الفعلِ يأتي غالبًا مشحونًا بتعصُّبٍ طائفيٍّ، غير موضوعيّ، ويتبنّى خطابًا لا أخلاقيًّا، لا يعكسُ بشكلِهِ جوهَرَ المسيحيّة. فنرى مُدافعينَ عن المسيحيّة وعقائدها، يُناقضونَ من حيثُ شكلِ التعبيرِ مضمونَ إيمانهم، مُتلفّظينَ بأبشعِ العبارات.

كما أنَّ الجدالات اللاهوتيّة السائدة بينِ المسيحيّين ينتُجُ عنها الكثيرَ من التداعيات. يكتَظُّ تاريخُ المسيحيّة بالجدالات، بعضُها خصبًا، كانَ سببًا لمجامعَ ثبّتَت إيمانَ الكنيسة وصقلت حديثَها اللّاهوتي، وبعضُها الآخر كان عقيمًا، يُمعنُ في القشورِ والتفاهات وينسى الجوهر. أمّا الإنترنت فقد سمحَ للجميع بالتعبير عن آرائهم، فباتَ الكثيرُ من غيرِ اللاهوتيّين يُعلنونَ أنفُسَهُم معلّمينَ أرفَعَ من الكنيسة، يُفسّرونَ كلمةَ الله كما يشاؤون، ويكفّرونَ بأسوأ الأساليبِ من ناقضهم الرأي. والأفظع، أنّ مُعظم مواد النقاش اللّاهوتي الآني ساذجة وثانويّة، تُشبهُ جدال البيزنطيّين الشهير حولَ جنسِ الملائكة.

شهودَ حقٍّ لا شهودَ زور

في الكتاب المُقدّس دعوة واضحة للمسيحيّ بأن يقتدي بالمسيح مُتمسّكًا بتعليمِهِ قولًا وفعلًا. فالمسيح دعى تلاميذَهُ يومَ صعودِهِ إلى السماء لكي يكونوا لهُ شهودًا حتّى أقاصي الأرض (أع 1، 8). فلا يُمكنُ للشاهدِ للمسيح أن يتناسى قول هذا الأخير في إنجيلِ متّى، حين دانَ الشتمَ والإهانة: “مَن قالَ لأَخيهِ: «يا أَحمَق» اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس، ومَن قالَ لَه: «يا جاهِل» اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم.” فالأجدى بأحدهم أن يلتزمَ الصمتَ، بدلًا من أن يُدافعَ عن تعليمِ يسوعَ بانتهاجِ سلوكٍ نَقيض. فيصيرَ بذلكَ سببًا للشكوكِ، يُقال فيهِ: خيرٌ لهُ أن يُعلَّقَ في عنقِهِ رحى الحمار، ويُزجَّ بِهِ في عمقِ البحر” (متّى 18، 6).

وقد أوصى بولس الرسول جماعتَهُ في رسالتِهِ إلى طيموتاوس “ألّا يَنصَرِفوا إِلى خُرافاتٍ وأَنسابٍ لَيسَ لَها نهاية، تُثيرُ المُجادلاتِ أَكثرَ مِمَّا تَعملُ لِلتَّدبيرِ الإِلهيِّ الَّذي يَتِمُّ بِالإِيمان… وقد حادَ بَعضُهم عن هذِه الخِصال، فَضَلُّوا في الكَلامِ الباطِل وادَّعَوا أَنَّهم مُعَلِّمو الشَّريعة، مَعَ أَنَّهم لا يُدرِكونَ ما يَقولونَ ولا ما يُثبِتون” (1 طيم 1، 4-7).

وأخيرًا، شجّعت الكنيسة أبناءَها في رسالةٍ أصدرها البابا بنديكتوس سنة ٢٠٠٩، على أن يستخدموا الإنترنت في نشر ثقافة “الحوار والاحترام والصداقة”. وأعظم ما قد نُقدّمهُ للهِ وللكنيسة في عالم الإنترنت، هو أن نبقى أُمَناءَ للتعليم، وأن نشهدَ للمسيحِ شهادةَ حقٍّ صادقةٍ لا شهادةَ زور، مُبتعدينَ عن السجالات التافهة التي تشوّهُ صورةَ المسيحيّة. وإذا ما أردنا الحديثَ عنهُ، فلنذكُر اسمهُ في عباراتٍ تليقُ بهِ، لكي يرى فينا المُحاورُ جمالَ اللهِ الذي نتكلّمُ عنهُ.

ختامًا، أعتقدُ أنّ المُشكلة الأساس تكمُنُ في معرفةِ اللهِ الحقيقيّة، وفي الصورةِ الّتي يكوِّنُها الشعبُ المسيحيُّ عن الله. فأنا لا أومنُ بإلهٍ يحتاجُ إلى من يُدافعُ عنهُ، لا في الحروب والنزاعات، ولا في مُماحكاتِ صفحاتِ مواقع التواصلِ الاجتماعيّ. قد قيلَ أنَّ الكُفرَ هو في القولِ ألّا إله، أمّا أنا فأقولُ أنّ الكُفرَ الأرعَن هو في أن يُنَصِّبَ الإنسانُ نفسَهُ وليًّا على الله.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s