الكنيسةُ الزمنيَّةُ والزوالُ الأكيد

هذه الكنيسةُ الزمنيَّةُ إلى زوال. أبنيتُها الشاهقةُ الجميلةُ ستَندثر. طقوسُها ورموزُها لَن تبقى. تنظيمُها وترتيبُها الهيكليُّ الزمنيُّ سينتهي. قوانينُها وشرائعُها وجملةُ تعاليمِها الزمنيّةِ ستُبطَل. إنَّها البُشرى السارَّةُ الَّتي أعلنَها يسوعُ وتُعلِنُها الكنيسةُ نفسُها!

هذه الكنيسةُ الزمنيَّةُ إلى زوالٍ أكيد. يُبطِلُها تحقيقُ ملكوتِ الربِّ يسوع. فالكاملُ متى جاءَ يُبطِلُ الناقص (1 قور 13، 10). كانَ الأنبياءُ في الماضي، إلى أن جاءَ يسوعُ، فأُبطلِوا. كانَت الشريعةُ وكانَ السبتُ وأحكامُهُ، إلى أن جاءَ الحبُّ الكاملُ إلى العالم، فأُبطِلوا. وكانَ الهيكلُ في أورشليم، إلى أن جاءَتِ الكنيسةُ، فأُبطِل.

أنبأَ يسوعُ عدَّةَ مرَّاتٍ بالنهايات ووصَّفها[1]. فيها الثوراتُ، والحروبُ، والدمارُ، والاضطهادات. لكنَّها، وإن أتَت بالآلامِ الزمنيّةِ، بشارةٌ سارَّة! فيسوعُ، مُخلِّصُ العالم، لا يتكلَّمُ إلَّا بالخلاصِ الأكيد. كلامُهُ فرحٌ وحياة. وإن كانَت أحداثُ النهاياتِ مؤلمةٌ جدًّا وقاسية، فغايتُها التحضيرُ للمجيءِ الثاني الَّذي سيمسَحُ كُلَّ دمعةٍ ويُنهي الموتَ والحُزنَ والصُراخَ والألم (رؤ 21، 4). إنَّها أشبهُ بمخاضِ الحُبلى الَّذي ينتهي بولادةِ الحياةِ الجديدة. والكنيسةُ الَّتي نَعيش، إن آلَمَت أو تألَّمَت، فألمُها مخاضٌ، يُحضِّرُ مجيءَ الملكوت.

سارَّةٌ هي النهاياتُ لمَن يعرفونَ اللهَ ويحبُّونَهُ. أمَّا أولئكَ الَّذينَ شحَّ إيمانُهم، فتُرعبُهُم علاماتُ الأيَّامِ الأخيرة وأخبارُها. يُقاتلونَ بتزمُّتٍ أعمى مِن أجلِ إبقاءِ الناقصِ وتأخيرِ مجيءِ الكامِل. يُريدونَ للكنيسةِ دوامَ المجدِ بأمورِ الأرضِ، من تيجانٍ رفيعةٍ وحُللٍ برَّاقةٍ وزيَنٍ أخَّاذة. يُريدونَ لها السلطةَ السياسيَّةَ الواسعةَ، علَّها تُنافسُ دياناتٍ أخرى في السيطرةِ على العالم، كأنَّها مِنهُ أُخِذُت وفيهِ تبقى. يُريدونَ لها العودةَ السريعةَ إلى قرونٍ مضَت، فلا تسيرُ أبدًا نحوَ تحقيقِ عِلَّةِ وجودِها. أولئكَ الَّذينَ ما عرفوا اللهَ حقًّا، أحبُّوا الكنيسةَ انحرافا، لا مِن أجلِ الله، بَل مِن أجلِ بعضِ ما وجدوهُ فيها مِن مؤقَّتٍ وناقصٍ. أولئكَ تُرعبُهُم النهايات.

مَن يعرفونَ الله ويحبُّونَهُ ينتظرونَ النهايات. يشتاقونَ إلى عودةِ الربِّ يسوع. يستعجلونَ من وعدَهُم أنَّهُ آتٍ على عجلٍ، صارخينَ: “أمين! تعالَ أيُّها الربُّ يسوع” (رؤ 22، 20). يترجَّونَ مجيءَ الملكوتِ المُعدِّ لجميعِنا. يُحبُّونَ الكنيسةَ ويعملونَ بها، لا مِن أجلِ هذا الدهرِ ومُتطلِّباتِهِ، بَل مِن أجلِ الدهرِ المُرتجى. يبنونَ الكنائسَ، ويقيمونَ الطقوسَ فيها، ويحيونَ في العالم كارزينَ بالإنجيل، لا حُبًّا بالطقوسِ والأشياء، بَل استذكارًا وتأوينًا لما تحقَّق بيسوع المسيح، وتحضيرًا لمجيئِهِ الثاني. يعملونَ في الكنيسةِ الزمنيَّة، يقودُهُم الروحُ الَّذي يملؤها، إلى أن تنتهي بتحقيقِ عِلَّةِ وجودِها ومجيءِ الملكوتِ الأبديّ.

 هذه الكنيسةُ بوجهِها الزمنيِّ إلى زوال. إنَّها البُشرى السارَّةُ الَّتي أعلنَها يسوعُ وتُعلِنُها الكنيسة[2]. النهاياتُ ابتدأت بالفعل. والمجيءُ ابتدأ. ونحنُ ننتظرُ التحقيقَ برجاءٍ، نصرخُ فرحين: “مرانتا! تعالَ أيُّها الربُّ يسوع!”.

[1] مت 24، 1-44؛ مر 13؛ لو 21، 5-38.

[2] راجع: المجمع الفاتيكاني الثاني، نور الأمم، 48.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s