خُذ الكتاب وابتلعهُ

تعرّفتُ إلى عائلةٍ عراقيّةٍ بغداديّة عام 2006، كانت قد لجأت إلى لُبنان بسبب الضيق الذي أصابها آنذاك. لم أعُد أذكُرُ لا الوجوهَ ولا الأسماء، أمّا ما لم يَغبْ عن بالي يومًا فهو أنّ جميع أفراد العائلة، كانوا قد حفظوا كتاب المزامير، بأناشيدِهِ المئة والخمسين، عن ظهرِ قلب. كانت كلمة الله لهم تعزيةً في الشدائد، فلا ينطقونَ بتذمُّرٍ وتأفُّفٍ، بل بتسبيحٍ دائمٍ للربِّ يسوع.

مُنذُ لقائي هذا وأنا مُقتنعٌ أنّ التعمُّقَ بالكتاب المقدّس يجعلُ من المسيحي شاهدًا حقيقيًّا. ومن المؤسفِ أن نرى مسيحيّين كُثر يجهلونَ كتابهم المقدّس ولا يفطنونَ شيئًا من تعاليم كنيستِهِم. هُم كما العمُيانَ يسيرونَ من دونِ نورٍ في الطريق فيعثرونَ ويسقطون. وحدها كلمةُ الربِّ مصباحٌ للخُطى ونورٌ في السبيل (مز 119، 105).

لا تحظى القراءةُ باهتمام الشرقيّين عادةً، ممّا انعكس سلبًا على رغبة مسيحيّي اليوم بالتعرّف أكثرَ إلى كتابهم. فكانَ أنّ الشريحة الأكبر من المسيحيّين اللُبنانيّين، يُجاهرونَ بإيمانهم من باب الانتماء الاجتماعي، وهم يجهلونَ في مُعظمِ الأحيانِ كتابهم المقدّس وتعاليمَ كنيستهم المقدّسة. ممّا ولّدَ طلاقًا واضحًا بين ما يؤمنون به وما يعيشون، فصاروا حقولًا خصبةً تنمو فيها الشرور والبدع والانحرافات والخرافات والوثنيّات.

وفي الواقعِ أنّ الكتاب المقدّس يحكي تاريخَ الله مع الإنسان منذُ خلَقَهُ حتّى افتداهُ. ومن يقرأ الكتاب المقدّس، بعينِ الإيمان، بالاتّكال على إلهام الروحِ الذي ألهم كتابتهُ، يفهمُ خلفَ سطورهِ تاريخَ الله معه هو شخصيًّا، مُنذُ اليومِ الذي ولِدَ فيهِ حتّى نفَسِهِ الأخير، وما يعدُهُ به بعد ولادته الثانية. ومن يتلّمسُ حبَّ اللهِ لن يفصِلُهُ شيءٌ بعدُ عنهُ. وهذا ما أشارَ إليهِ بولسَ المُتغنّي بمحبّةِ المسيح: مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ (روم 8، 35).

إذن، نحنُ بأمسِّ الحاجة لمعرفةِ كتابنا المقدّس، فهو إلى جانبِ تعليمِ الكنيسة وتقليدِ آبائنا الأطهار، مصدَرُ فهمنا لإيماننا من جهّةٍ، وقوّة تحوّلٍ حقيقيّةٍ لحياتنا من جهّةٍ أخرى. ها هو الربّ يدعونا ألّا يبقى الكتابُ خارجًا عنّا: “خُذ الكتابَ وابتلعهُ، فتجده مرا في جوفك، وحلوًا كالعسل في فمك” (رؤ 10، 9). كلمةُ الله حلوةٌ في فمِ من ينطقُ بها، ومرّةٌ في جوفِ من يحيا بها، لأنّه يعاني الاضطهاد، مُنتظرًا بشوقٍ لقاءهُ بالربّ يسوع.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s