أُريدُ أن أكونَ كاملًا!

– أُريدُ أن أكونَ كاملا!

– أنتَ؟ إسمح لي… أنتَ صديقي ولا أقصدُ الإهانة. لكنَّ وجهَكَ، كما أراهُ، غيرُ مُتناسقٍ. أنفُكَ ملتوٍ. أمَّا قامتُكَ… والدُّهون… دعكَ مِن هذا. ما رأيُكَ بأن تجعلَ أهدافَكَ أكثرَ واقعيَّة؟

– لا أقصدُ كمالَ الجمالِ وتناسقَ الشكلِ. كثيرونَ يصرفونَ الثرواتَ في التجميلِ والتنسيقِ والتلوينِ والتلبيق. قد تصيرُ وجوهُهُم جميلةً وفقَ معاييرِ الزمن. لكنَّ المعاييرَ تتبدَّل. وكلانا يعلمُ أنَّ ما يراهُ أحدُنا جميلاً قد لا يُعجبُ الآخر. الجمالُ غيرُ موضوعيٍّ، بل نسبيّ. لا يمكنُ للنسبيِّ أن يكونَ كاملًا.

– صحيح… هل تقصِدُ كمالَ المعرفَةِ إذَن؟

– بالطبعِ لا. مَن يستطيعُ أن يعرفَ كُلَّ شيء؟ كبارُ العلماءِ عُرِفوا بأن عَرفوا بعضَ الأشياءِ، ومِن كُلِّ شيءٍ بعضَهُ. جاءَ بعدَهُم جميعًا مَن عرفَ أكثَرَ مِنهُم وأظهرَ جهلَهُم. أمَّا أنا فأيُّ كمالِ معرفةٍ لي؟ حتَّى لُغَّتي الَّتي أتكلَّمُها مُنذُ صغري أجهلُ قواعدَها…

– كمالُ القدرة؟

– وحدَهُ الجاهلُ المُتكبِّرُ يعتقدُ أنَّهُ يستطيعُ كُلَّ شيءٍ. والجهلُ نقصٌ. إذا قلتُ مُدَّعيًّا أنَّني في القُدرةِ أرغبُ الكمالَ، فذا دليلُ نقصٍ ثابتٌ عليَّ.

ومَن بلغَ كمالَ السُلطةِ بينَ الناسِ؟ جميعُ المُتسلِّطينَ الَّذينَ عرفَهُم التاريخُ، ما استطاعوا كُلَّ شيءٍ. كبروا وعظموا إلى أن انهزموا. هزمَهُم مَن كانَ أقوى منهُم، أو رُبَّما مَن كانَ أضعفَ منهُم. ربَّما هزموا أنفسَهُم. كانوا، حاولوا بلوغَ كمالَ القُدرةِ، عظموا، وبعدها وزالوا.

– هذا يعني أنَّ الكمالَ مُستحيل. عَن أيِّ كمالٍ كنتَ تتحدَّث؟

– كمالُ الحُبِّ. هذا ما دعانا إليهِ يسوعُ حينَ قالَ في عظتِهِ على جبلِ التطويبات: “كونوا أنتُم كاملين، كما أنَّ أباكُم السَّماويَّ كامِل” (متَّى 5، 48). أن أكونَ كاملًا، هو أن أُحبَّ كما الآبُ الَّذي يُحبُّ مجَّانًا، مِن دونِ تمييزٍ، “ويُطلِعُ شمسَهُ على الأشرارِ والأخيار، ويُنزِلُ المطَرَ على الأبرارِ والفُجَّار” (متَّى 5، 45). أن أكونَ كاملًا، يعني أن أُحبَّ عدوِّي وأن أُصليَّ مِن أجلِ مُضطهِدي وأن أُباركَ لاعني. ويسوعُ الَّذي دعانا لكمالِ الحُبِّ عاشَهُ بينَنا. أحبَّ حتَّى موتِهِ الفدائيِّ على الصليبِ، مُقدِّمًا ذاتَهُ مِن أجلِ الأبرارِ والأشرارِ، مَن عرفوهُ ومَن لَم يعرفوه. ليسَ كمالٌ في الحُبِّ أعظَمَ مِن هذا.

أن أكونَ كاملًا هو أن أكونَ مِن أجلِ الآخرينَ، لا مِن أجلِ ذاتي.

إذا كانت الرغبةُ بالكمالِ نابعةٌ مِن حُبِّ الذاتِ فهي باطلةٌ لأنَّ الأنانيَّةَ في الإنسانِ هي أصلُ نقصِهِ. لذلكَ، فالبحثُ عَن كمالِ الشكلِ والفكرِ والسلطةِ باطلٌ. مَن اشتهى الكمالَ لأجلِ ذاتِهِ وبحثَ عَنهُ، زادَ نقصًا، حتَّى فقَدَ ذاتَهُ.

أمَّا الباحثُ عنِ الكمالِ مِن أجلِ الآخرينَ فقط، الَّذي يُنكرُ ذاتَهُ مِن أجلِهِم، فيَزيدُهُ الحُبُّ حتَّى بلوغِهِ الكمال.

وهذا يتطلَّبُ الكثيرَ مِن الإستقبال.

– إستقبال؟

– إستقبالُ الحُبِّ. مَن ليسَ فيهِ الحُبُّ الكاملُ لا يُعطي الحُبَّ الكاملَ. حُبُّنا البشريِّ يبقى ناقصًا. أمَّا الحُبُّ الكاملُ فقَد وهبَهُ اللهُ لنا. يبقى علينا أن نستَقبِلهُ. مَن عَرَفَ أنَّهُ محبوبٌ مِنَ اللهِ، نسيَ حُبَّهُ لذاتِهِ، لأنَّ حُبَّ اللهِ هو حتمًا أعظَمُ مِن حُبِّهِ لذاتِهِ. مَن عَرَفَ أنَّهُ محبوبٌ مِنَ اللهِ، أرادَ أيضًا للجميعِ أن يعرفوا كَم هُم محبوبون. وحدَهُ مَن عَرَفَ حُبَّ اللهِ يبحثُ عَنِ الكمالِ الحقيقيِّ، كمالِ الحُبِّ، لا مِن أجلِهِ، بَل مِن أجلِ الآخرين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s