فاتحُ الجحيمِ

بايعوا الملوكَ والسلاطينَ والحُكّامَ ووضعوا فيهِم آمالَهُم. مِنهم مَن حكَمَ عقودًا، عَظُمَ، انتَفَخَ، ظنَّ أنَّهُ يؤلِّف. مِنهمُ مَن فتَحَ واحتلَّ وتوسَّعَ، وحصَّنَ مُلكَهُ أمامَ أعدائِهِ، ولَم يهنأ، لا هو ولا شعبُهُ، ولو بيومِ سلامٍ وسكونِ بالٍ واحدٍ، حتّى أتى يومُ سقوطِهِ العظيم. أحكَمُهُم، أكبَرُهُم، أعظمُهُم، أكثَرَهُم بطشًا، احتلَّ نصفَ الأرضِ، وبقيَ نصفُها الآخرُ عصيًّا عليه، ثُمَّ ماتَ واندثرَت مَعَهُ أحلامُ أتباعِهِ.

أمّا العالَمُ الآخَرُ، فما فتحَهُ أحدٌ قَط. جميعُهُم دخلوا الموتَ موتى. بقيَ المقلَبُ الآخرُ مجهولًا وأسوارُهُ منيعَةً أمامَ محاولاتِ فاتحيهِ البَشَر. راحَ الناسُ ينتظرونَ أملًا آخرَ. مَلِكًا يُبايعونَهُ، يملكُ لا نصفَ الأرضِ، بل الخلقَ وما فيهِ، ويُشرِكُ الكُلَّ بمُلكِهِ. يفتحُ مُدُنَ الأعداءِ، واحدةً خَلفَ الأُخرى، إلى أن يبيدَ العدوَّ الأخيرَ وهو الموت.

جاءَ يسوعُ، شابٌ متواضعٌ مِن الناصرةِ، حيَّرَ عقولَ من عرفوه. ربّما يكونُ هو الفاتحُ المنتظَر! جليٌّ أنَّ لهُ سُلطانٌ ليسَ مِن هذا العالم. يجادِلُ علماءَ الشريعةِ، لا كأيِّ عالمِ شريعةٍ، بل مُعلنًا نفسَهُ الشريعةَ الجديدة. يشفي، لا كأيِّ طبيبٍ يُعيدُ العافيَةَ للأجسادِ، بل مُعلنًا نفسَهُ الحياةَ لطالبيها. يطرُدُ الشياطين، لا كأيِّ نبيِّ يحمي مِن الشرِّ، بل مُعلنًا أنَّهُ حقًّا ابنُ الله.

رُبّما يكونُ هو الفاتحُ المُنتظر. لكنَّهُ بلا مطيّة، ولا جنودَ لهُ تسيرُ خلفَهُ بطَرقِ السيوفِ، ولا أبواقَ تُعلنُ فتحَهُ المهيب. امتطى جحشًا، وحمَلَ في يديهِ سلامَهُ وسارَ. عرفوهُ. هوَذَا الفاتحُ آتٍ. سارَ شعبُهُ خلفُهُ، أبناءُ ملكوتِهِ، المرضى، والحزانى، والمظلومينَ، والمُضطهدينَ، والمنفيّينَ، والفقراء. حملوا أيضًا سلامَهُ وساروا. راحوا يتعرّونَ ويلقونَ تحتَهُ ثيابَهُم ويكتسونَ بظلِّه. تُنشِدُ مِن حولِهِم ربواتُ الأطفالِ، والرُضَّع يُرنّمونَ مجَدهُ، وهو يسير.

دخَلَ أورشليمَ فاتحًا. ضعيفًا، هزيلًا، وضيعًا في عيونِ عظماءِ الدهرِ الحالي. لكنّها كانت تِلكَ خطوَتَهُ الأولى، معركتَهُ التمهيديّةُ، إعلانَهُ المُسبق عن نصرِهِ المُرتَقَب. أسبوعٌ ويمتطي صليبَهُ. أسبوعٌ ويدخُلُ الجحيمَ فاتحًا. مُهمَّشًا، عاريًا، ذليلًا، مصلوبًا، يدخُلُ الجحيم.

جميعُ الّذينَ دخلوا الموتَ قبلَهُ ماتوا، أمّا هو فيدخُلُهُ مُنتصرًا. يموتُ ثمَّ يقوم. مِن أجلِ الجميعِ ومن أجلِ خلاصِ الجميعِ يقوم. يقومُ فيُحيي مَن ماتوا قبلَهُ ومَن سيموتونَ بعدَهُ.  يوم الشعانين، أعلنَ يسوعُ أنَّهُ فاتحُ الجحيمِ ومُبيدُ الموت. هو الّذي دعى الكنيسةَ للسيرِ معَهُ إلى الجحيمِ واعدًا أنَّ أبوابَهُ لَن تقوى عليها.

اليومَ نَحتفِلُ بالشعانين. نُرنِّمُ معَ أهلِ الملكوتِ في استذكارِ فاتِحِ أورشليمِ وفاتِحِ الجحيم. نسيرُ خلفَهُ، حزانى، ومرضى، وفقراءَ، ومُنكسري القلوب. نحملُ في أيدينا سلامَهُ. عيونُنا الدامعة تشخصُ إليهِ. فوقَ شفاهِنا بسماتُ الفرح. قلوبُنا تُرنِّمُ. ونحنُ نسيرُ. نسيرُ كجُندٍ وفيٍّ معَهُ إلى الجحيم. فينا الإيمانُ أنَّ مَن ماتَ معهُ يحيا معَهُ.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s