هاءَنَذا أصنعُ كُلَّ شيءٍ جديدًا

نحتاجُ إلى أشياءَ جديدة. إلى عالمٍ جديدٍ أكثَرَ فرحًا، أكثَرَ سلامًا، لا موتَ فيهِ ولا حروب. نحتاجُ إلى إنسانٍ جديدٍ، أكثَرَ حُبًّا للهِ وللقريب، وأكثَرَ انسجامًا معَ الأرضِ وما فيها. نحتاجُ إلى أن يصيرَ كُلٌّ منّا إنسانًا جديدًا، أن يولَدَ من جديد، ويَحلُمَ أحلامًا جديدة، فيسيرَ في دروبٍ أُخرى نحوَ أشياءَ أخرى، نحوَ تعزياتٍ أكبَر، نحوَ أفراحٍ أكبَر، نحوَ حياةٍ أفضَل.

الجديدُ الّذي نُريد لا يُمكنُ أن يأتينا إلّا مِن الثابتِ الوحيد. ولا ثابتٌ إلّا الله. وحدَهُ لا يتبدَّلُ ولا يتغيَّرُ (مل 3، 6)[1]. إلّا أنَّهُ كشَفَ لنا ذاتَهُ إلهَ كُلِّ جديد. خَلَقَ العالَمَ مِنَ العَدَمِ وكانَ أنَّ كُلَّ ما أبدعَهُ جديد. وبعدَ أن فسَدَ الإنسانُ لجهالتِهِ شاءَ أن يُعيدَ إليهِ جمالَهُ الأوَّل. تكلَّمَ، وقَبلَها ما عَرَفَ الإنسانُ إلهًا يتكلَّم. جَعَلَ لهُ شعبًا. سلَّمَهُ شريعةً. أرسَلَ لهُ الأنبياءَ يتكلَّمون بالرجاءِ: فاللهُ لا يتغيَّرُ وحبُّهُ للإنسانِ ثابتٌ. صنَعَ تاريخًا واحِدًا مُتكامِلًا كُلُّ حدثٍ فيهِ فريدٌ وجديد.

ثمَّ أرسَلَ ابنَهُ الوحيدَ يسوعَ ليسكُنَ بيننا. “إنَّ يسوعَ المسيحَ هو هو أمسِ واليومَ وللأبَد” (عب 13، 8). إنَّهُ الجديدُ-الأزليُّ الّذي أتى إلى العالَمِ ليُجدِّدَ العهدَ الأوَّل. هو آدمُ الثاني الّذي أحيانا، ومِن جَنبِهِ على الصليبِ خَرَجَت الكنيسةُ حوّاءُ الثانية. وُلِدَ. وما عَرَفنا قَبلَهُ إلهًا يولَد. ماتَ، وما عَرَفنا قَبلَهُ إلهًا يموت. قامَ، وما كان للإنسانِ قَبلَهُ قيامة.

أسَّسَ يسوعُ أرضًا جديدةً وسماءً جديدةً لأنَّ الأولى قد زالتا (رؤ 21، 1)، وأرسَلَ روحَهُ ليقودَها إلى التحقيق. الروحُ القُدُسُ، المُحيي والُمجدِّد، يُذكِّرُنا بكُلِّ شيءٍ (يو 14، 26). لا كما نتذكَّرُ نحنُ البشَر أحداثَ الماضي. نستعيدُ منها بعضَ المشاهِدِ والمشاعِرِ الناقصةِ ونُبقيها في الماضي. الروحُ يجعلُ كُلَّ شيءٍ حاضرًا. التجسُدُ حاضرٌ والفداءُ حاضرٌ. خلاصُ كُلِّ واحدٍ مِنَّا حاضرٌ. من أراد أن يكونَ في المسيحِ هو الآنَ خلقٌ جديد. “قد زالَتِ الأَشيَاءُ القَديمة وها قد جاءَت أشياءُ جَدِيدة” (2كور 5، 17).

التأمُّلُ باللهِ الأزلّيِ الثابتِ مُدهشٌ. كيفَ يَحزَنُ وييأسُ مَن عرَفَ اللهَ؟ أيحزَنُ الإنسانُ بعدُ واللهُ أباد النهاياتَ وأحلَّ مكانها الجديد؟ أيفقِدُ الرجاءَ مَن تكلَّمَ إلهُهُ مُعلنًا: “هاءَنَذا أصنعُ كُلَّ شيءٍ جديدًا” (رؤ 21، 5)؟ إن كُنّا نحزنُ لأجلِ الماضي، نِعمةُ الحاضِرِ تُعزّينا. وإن كنّا نقلقُ مِنَ المُستقبلِ، وعدُ الله لشعبِهِ يقويّنا: “سيَمسَحُ كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم. ولِلمَوتِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآن، ولا لِلحُزنِ ولا لِلصُّراخِ ولا لِلأَلَمِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآن، لأَنَّ العالَمَ القَديمَ قد زال” (رؤ 21، 4).

لا يتأخَّرْ مَن يحتاجُ إلى التوبةِ لأنَّ اللهَ يلدُهُ الآنَ مِن جديد. وفي جميعِ أعمالِهِ فليذكُرْ أواخِرَهُ، أيِ الحياةَ الجديدةَ الّتي أعدَّها اللهُ مِن أجلِهِ، فَلَن يخطأَ إلى الأبد (يش 7، 36). ولا يتأخَّرْ أن يكونَ شاهدًا في الكنيسةِ للحياةِ الجديدةِ بالمسيح. ولا ينقطعْ أبناءُ الكنيسةِ عنِ التماسِ الروحِ القُدُس الّذي يقودُها نحوَ التحقيقِ، لكي يُجدِّدهُم ويُجدِّدَ وجهَ الأرضِ.


[1]  أنظر أيضًا: عدد 23، 19؛ 1 صم 15، 29؛ أش 46، 9-11؛ حز 24، 14.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s