لا! ليسَ الميلادُ عيدًا للمسيحيّين!

لا! ليسَ الميلادُ عيدًا للمسيحيّين!

ليسَ الميلادُ عيدَ مولدِ نبيّهِمِ أو مؤسّسِ دينِهم. فيسوعُ ليسَ نبيًّا. الأنبياءُ بشرٌ، يعرفونَ اللهَ ويُعرِّفونَ إليه. لكنَّهُم ليسوا آلهةً. أمَّا يسوعُ فهو الله. إلهٌ مِن إلَه، نورٌ مِن نور، إلهٌ حقٌّ مِن إلهِ حقّ، مولودٌ غيرِ مخلوقٍ، مساوي للآبِ في الجوهر.

ولا المسيحيّةُ دينٌ أصًلا، وإن كانَ فيها بعضُ دينٍ. هي إيمانٌ بشخصِ يسوعَ المسيح، “الله معنا”، الّذي رأيناهُ وسمعناهُ ولمسناه.

يسوعُ المسيح، الكلمة، إبنُ الله، المولودُ مِنهُ منذُ الأزلِ قبلَ الدهورِ، صارَ جسدًا.

لا! لَم يلبَس جسدًا خارجيًّا كمَن يرتدي معطفًا على كتفَيهِ. ولَم يتَّخِذ لحمًا ودمًا أداةَ فِداءٍ يستغني عنها بعدَ قيامتِهِ مِن بينِ الأموات. بيسوعَ اتَّحَدَت الطبيعتان الكاملتان، الإلهيّةُ والإنسانيّة. وكما أنَّ الكلمةَ صارَ جسدًا، الجسدُ أيضًا صارَ الكلمة[1].

أخذَ كُلَّ ما لنا، ما عدا الخطيئة، لأنَّها ليسَت مِن طبعِنا البشريِّ أصلًا.

صارَ إنسانًا ليصيرَ الإنسانُ إلها[2]. لا بالطبيعةِ بل بالمشاركة. يبقى الإنسانُ إنسانًا، لكنَّ الله لفيضِ حُبِّهُ يرفَعُهُ للشركةِ بلاهوتِهِ. إذا لَم يكُن التجسُّدُ مِن أجلِ هذا كانَ ناقصًا. ماذا يهُمُّنا نحنُ البَشَر وبما ينفعُنا إلهٌ ناقصٌ لا يأتينا ولا يؤلِّهُنا؟

“اللهُ تعالى” ليسَ لنا. إلهُنا “تنازَل”. لأجلِ جميعِ البَشَرِ تنازَل. ليسَ للمسيحيِّين فقَط. وليسَ لأبناءِ جيلِهِ فقط. بل تنازَلَ مِن أجلِ كُلِّ واحدٍ منَّا ومِن أجلِ جميعِنا: مَن كُنَّا قبلُ ومَن سنأتي بعدُ.

صارَ إنسانًا وما برِحَ هو الإله.

عجيبٌ سِرُّ التَجسُّدِ. مَن يُمكِنُهُ أن يفهمَ عمقَ السرِّ؟

ضلالٌ أن نحتفلَ بما لم نحاوِل يومًا أن نفهَم. غباوةٌ. ألا يستحقُّ سرٌّ كهذا أن نمضيَ حياتَنا تأمّلًا، واندهاشًا، وسجودا؟ أنتلهّى بعدُ بثانويّاتٍ تحجِبُ عنّا رؤيةَ ما تحقَّقَ مِن أجلِنا نحنُ البَشرَ؟

العيدُ، الزينةُ، لقاءُ العائلةِ، بسماتُ الأطفالِ، الهدايا، كُلُّها جميلة. شرطَ ألَّا تحجُبَ عنَّا التأمّلَ بعظمةِ سرِّ الإلهِ المُتجسِّدِ بينَنا وألّا تمنَعَنا مِنَ السجودِ لهُ.

ميلادُهُ تاريخٌ. أمَّا تجسُّدُهُ فهو التاريخُ.

وُلِدَ في بيتَ لحمَ أيّامَ حُكمِ أغسطس قيصَر. لكنّهُ الكائنُ قبلَ كُلِّ الدهورِ، شاءَ الآبُ أن يُرسِلَهُ حُبًّا بالبشَر فأرسلَ الأنبياءَ يُهيّؤونَ طريقَهُ، ولمّا تمَّ الزمانُ، تجسَّدَ مِن الروحِ القدسِ ومِن مريمَ العذراء.

التاريخُ قبلَ ميلادِهِ تحضيرٌ لهُ. والتاريخُ بعدَ ميلادِهِ تاريخُنا معَهُ. لا يُحتَفَلُ فقط يومًا واحدًا بمَن لهُ جميعُ الدهور.

لماذا يُهنَّأُ إذَن المسيحيّون بالميلاد؟ ليسَ عيدُهُم. التجسُّدُ للجميع. أيُهنَّؤون لأنّهُم قبلوه؟ ألا تكونُ التهنئةُ حينَها اعترافٌ بتجَسُّدِهِ؟ ألم يصِر بعدُ الوقتُ للاعتراف؟ إلى متى يُهرَبُ مِنَ الحقِّ؟ إلى متى يُعبَدُ الإلهُ البعيدُ عنِ اللهِ والناسِ؟

والمسيحيّون. بما يحتفلون؟ هل جميعُهُم يُؤمنون؟ أيعرفونَ اللهَ الّذي يعبدون؟ هَل يُدركونَ سرَّ اتّحادِ اللهِ والإنسان بيسوعَ المسيح؟ أم يُعيِّدون لطفلٍ كسائرِ الأطفالِ، مُنقادينَ لعواطِفَ ساذجة، ويعودونَ بعدها إلى الحياةِ المُعتادة، أو بالحريِّ إلى الموتِ المُعتادِ، كأنَّ شيئًا لم يكُن. كأنَّ يسوعَ لَم يدخُل العالمَ يومًا. أو كأنَّهُ بعدَ دخولِهِ خرَجَ منهُ إلى غيرِ عودة؟

الكلمة، يسوعُ المسيح، صارَ جسدًا. إنّهُ الحقيقةُ الوحيدةُ الّذي يَستَحِقُّ التعييد، لا اليومَ فقط بل في كُلِّ يوم. لَم يأتِ من أجلِ المسيحيّين فقط، بل أتى مِن أجلنا جميعًا مِن دونِ استثناء.


[1] القدّيس يوحنّا الدمشقيّ، في الدفاعِ عن الإيقونات، 1، 4؛ 3، 6.
[2] القدّيس إيريناوس؛ وأيضًا القدّيس أثناسيوس.

فكرتان اثنتان على ”لا! ليسَ الميلادُ عيدًا للمسيحيّين!

  1. سؤالين: المسيحية هي دين، هي دين المسيحيين، والا كانت بدعة غير منظمة وبلا الأساسات التي بنتها الكنيسة منذ المسيحيين الأوائل، فكيف القول ان المسيحية ليست دين، أو هذا التعبير استعمل هنا من باب الفكر او الفلسفة…؟
    صار الله إنسانا أو تجسّد لكي نترفع نحن فنكون أبناء الله… فكيف يصبح الإنسان اله عندما دعونا الله للقداسة والتواضع؟ فلا يصبح هذا كبرياء؟

    إعجاب

    1. مرحبا جسيكا،
      أوَّلًا، لا بدَّ من التمييز بين حقيقتين تترافقان، الإيمان والدّين. الأولى لا تنفي الثانيّة، بل تُعطيها المعنى. الإيمان هو عطيَّةُ الله، أمّا الدين فهو جوابُ الإنسان. القول أنَّ المسيحيّة ليست دين وإن فيها بعضُ دينٍ، هو الإعترافُ أنّها ليست كباقي الأدين، بناءٌ بشريٌّ لمنظومةٍ دينيّة إجتماعيّة بحتة، بل إيمانٌ بشخصِ حيٍّ وهو يسوع المسيح. أمّا الدّينُ في المسيحيّة، أي الهيكليّات والعادات والطقوس وما يرافقها، فهي الجواب على عطيّة الإيمان.
      ثانيًا، اشتهر بين آباء الكنيسة قولٌ نُردِّدهُ إلى اليوم: “صار الله إنسانًًا لكيّ يصير الإنسانُ إلهًا”. وليس في القول هذا أيّ تكبّر. بل هو إعتراف بعظمةِ الله الّذي رفعنا للمشاركة بحياتهِ الإلهيّة، بمجّانيةٍ تامّة. ليسَ التواضع سوى الاعتراف أنّنا خطأة مائتون، ومن دونِ الله لا نستطيعُ شيئًا، وهو لعظيم حبّهِ رفعنا إليه لنُشارِكَهُ الحياةَ الإلهيّة. أمّا القداسة فهي نفس المشاركة بالحياة الإلهيّة. القدّيسون هُم من عرفوا عطيّة الله وقبلوها أوّلًا، وأثمروا بعدها ثمرًا يليقُ باستقبال النعمة، وهم ما صاروا قدّيسين بمجهودهم الشخصي. ونحنُ نتأمّلهم ممجَّدين ونشتهي أن نحذو حذوهم باستقبال النعمة لنتحِّدَ كما هُم بالله، في شركةٍ أبديّةٍ لا تنتهي.
      آمل أن أكون قد أجبت على التساؤلات الجميلة بشكلٍ وافٍ.
      إذا أردتِ استيضاح أي موضوعِ آخرِ لا تتردّدي بمراسلتي.
      صلّي من أجلي.

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s