بينَ البَسَاطةِ والغباءِ أميالٌ مِنَ المَعرِفة

يُنادى بالغباءِ باسمِ البساطة. ويُنادى بتكفيرِ الفكرِ كأنّهُ عدوُّ الله. ويُنادى بتكفيرِ المُفَكِّرين كأنّهم أعداءُ الإيمان. تُصوَّرُ سبلُ العقلِ متاهةً، مَن سلكَها ضاعَ. وتُصوَّرُ المعرفةُ فخًّا، مَن مرَّ بها سقطَ. أمّا الجهلُ فيُمدَحُ. شيمةُ البسطاءِ يُعتَقَدُ. يُقالُ فيهِ دربُ القداسة، مَن سارَ بهِ وصلَ.

تأتي المؤمنَ نصائحُ كثيرةٌ: لا تسأل عَن هذه العقيدةِ ولا تُفكِّر بتلك! ابتعِدْ عن الدراسةِ والدارسين! ابتعِدْ عن اللّاهوتِ واللّاهوتيّين! البساطةُ للقدّيسين، أمّا العلمُ فللشياطين. وتأتي المؤمنَ الحججُ مع النصائحَ: الربُّ طوَّبَ البُسطاء، رفعَهُم، وأنَّبَ الكتبةَ والعلماء. وتلحقُ الأقوالُ الحججَ البَديعة: أحدُهُم يقولُ أنَّ البُسطاءَ يتسلّلونَ السماء، فيما يتجادلُ العلماء[1].

غابَ التَمييزُ عَن دُعاةِ الغباء. أتعني البساطةُ الجهلَ؟ ألا تفصِلُهُما مسيرةُ معرفةٍ طويلة؟ ليسَت البساطةُ جهلًا، بل هي تتويجُ مسيرةٍ مِن المعرفةِ الحقيقيّة. ولا يُقصَدُ بالمعرفةِ الحقيقيّةِ السفسطائيةَ المُتَفلسِفة، فهي أكثرُ خطرًا مِنَ الجهلِ. وحدها المعرفةُ الحقيقيّةُ تسمو بالإنسانِ إلى أعلى وتزيدُهُ بساطةً، أمّا تلكَ المُتفلسِفةُ فتزيدُهُ همًّا وتعقيدا.

غابَ عَن دُعاةِ الغباءِ أيضًا، أنَّ المسيحيَّةَ اقتداءٌ بالمسيح. مَن نادى بالجهلِ نادى بيسوعَ جاهلٍ. أَلَم يأتِ المسيحُ الكلمةُ كشفًا لسرِّ الله؟ أَلَم يكُن بيننا مُعلّما؟ أَلَم يُجادِل العُلماءَ مُذ كانَ طفلًا؟ ألَم يحفظ التوراةَ والشريعَةَ والكُتُبَ؟ كيفَ ندّعي الإيمانَ بهِ ونرفضُ العلمَ الّذي جاءَنا بِهِ؟ وكيفَ نُسمّي أنفسَنا باسمِهِ ونرفضُ التمثُّلَ بعلمِهِ؟ والروحُ القدسُ الّذي نلناهُ بالمعموديّة والتثبيت، أليسَت المعرفةُ من مواهبِهِ والعلمُ أيضًا؟ كيفَ نَسمحُ لأنفُسنا أن نُسكِتَهُ ونُطفئَهُ؟

والعذراءُ مريمُ، شفيعتُنا ومثالُنا، أمَا عَرَفت الكُتُبَ وردَّدَت عباراتها في نشيدها يومَ بشَّرها الملاك؟ أمَا تأمَّلَت بكُلِّ شيءٍ وحفظَتهُ؟ ألَم تكُن في المواضعَ الّتي علّمَ فيها يسوع؟  أُمُّ يسوعَ هي وتلميذَتُهُ أيضًا. والرسلُ والقدّيسونَ أيضًا عالمون. ما أفقدَهُم علمُهم بساطتَهُم. بعلمِهم، مؤيَّدينَ بقوَّةِ الروحِ القدسِ، نقلوا لنا وديعةَ الإيمان. أنمنعُها نحنُ عن آخرينَ لأنّنا راضونَ بجهلنا؟ أنُخفيها عَنهُم كي لا يكشفوا قلَّة أمانتنا؟ بعضٌ مِن دُعاةِ الجهلِ يُريدونَهُ سترًا لريائهم.

لا ليسَت البساطةُ جهلًا. البساطةُ هي أن أعرِفَ اللهَ فيزدادَ حُبّي لهُ مجّانيَّةً. البساطةُ هي أن أعرِفَ اللهَ، فأفرَحَ، ولأجلِ فرحي يكبرُ حُبّي للآخرين. البساطةُ هي أن تزيدَني معرفتي بشؤونِ السماءِ ترفُّعًا عَن شؤونِ الأرض. البساطةُ هي أن أتجنّبَ المُجادلات والمماحكات لأنّها عقيمةٌ، ولأنّها لا تبنيني ولا تبني الآخرين. البساطةُ هي أن أمتَلئَ مِنَ الله، معرفةً وعلمًا وحُبًّا، حتّى أفرغَ مِن نَفسي.

ليسَت البساطةُ جهلًا فإنَّ الجهلَ أصلُ الشرور. وليسَت علومُ اللاهوتِ شرًّا. كشَفَ اللهُ لنا ذاتَهُ لكي نَعرِفَهُ ونُحبَّهُ. أعطانا اللهُ عقلًا لنَستعملَهُ. دعانا لنُحبَّهُ مِن كُلِّ عقلِنا وقلبِنا وفكرِنا. يزيدُني اللّاهوتُ معرفةً بالله فأُحبَّهُ. يُشعِلُ فيَّ رغبةَ الصلاة. العلمُ يزيدُني صلاةً والصلاةُ تزيدُني عِلمًا. العلمُ مِن دونِ صلاةٍ فلسفةٌ، والصلاةُ مِن دونِ معرفةٍ عبادةٌ وثنيَّةٌ. أمّا البساطةُ فإكليلُ المعرفةِ والصلاة.

[1] يُنسَبُ القول إلى القدّيس أوغسطينوس، لكنّي حتّى اليوم، لَم أجِد هذه الجملة في أيٍّ من كتاباتِه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s