أكرِم أباكَ وأمَّك

البنوّةُ خيارٌ حُرٌّ. فإنّنا لا نولَدُ أبناء، بل نَختارُ أن نصيرَ أبناءَ لمَن أعطيانا الحياة، وبذلكَ نُكرمُهُما الإكرامَ الحقيقيّ. والقولُ في البنوّةِ أنّها خيارٌ حرٌّ يعني أنّ الوالدَينِ نعمةٌ مجّانيّةٌ تسبقُ الإنسان. يبقى عليهِ أن يقبَلها كما هي مِن دونِ شروطٍ، فيصيرَ، لأجلِ خيارِهِ الحرّ، إبنًا.

أعطى الربُّ موسى الوصايا العشر في قسمَين (خر 20، 2-17). وقَد أورَدَ وصيَّتَهُ في إكرامِ الوالدَين بعدَ الوصايا التّي توصي بعبادةِ الله الواحد، وكأنَّهُ يعني أنَّ إكرامَ الوالدَينِ مِن عبادةِ الله، وفي إكرامِ الوالدَينِ عبادةٌ لله. وجاءَت هذهِ الوصيّة قبلَ تِلكَ التّي تُنظِّمُ حياةَ الإنسانِ معَ القريب، لأنَّ محبّةَ الوالدَينِ تُهيِّءُ الإنسانَ ليُحبَّ الآخرين.

يبدو أنَّ الكثيرَ مِنَ الأوَّلينَ قَد أساؤوا فَهمَ الوصيّةِ ورأوا فيها حقَّ الوالدَينِ في التسلُّطٍ على حياة بنيهِم. لكنَّ الإكرامَ الحقيقيَّ للوالدَينِ يكونُ في الطاعةِ لله. لأنَ الطاعةَ للهِ خيرٌ مِن الطاعةِ للبشر (أع 5، 29). لذلكَ دعا الربُّ يسوع تلاميذَهُ مرارًا لتركِ آبائهِم وأُمَّهاتِهِم (مر 10، 29-30؛ لو 9، 60؛ لو 14، 26)، لا خرقًا للوصيّة الّتي جاءَها مُتمِّما لا ناقضًا (مت 5، 17)، بل ليكشُفَ للإنسانِ ألّا خيرَ لهُ أفضلَ مِن الطاعةِ الحُرّةِ لمشيئةِ الله. فعلى الوالدَينِ أن يُساعدا بنيهما على التماسِ مشيئةِ الله والعملِ بها، وعلى البنينِ أن يُكرموا والدَيهِما بالطاعةِ لله.

والإكرامُ يكونُ أيضًا بالتعبيرِ الصادقِ عنِ المحبّة، إمّا بالقولِ أو بالفعل. جميلٌ أن يُعبِّرَ الجميعُ عن حُبِّهِم لآبائهم وأُمّهاتِهم في مُناسباتٍ مُعيّنةٍ في مواقع التواصُل الاجتماعي، شرطَ ألّا ينحصرَ التعبيرُ في العالمِ الافتراضي. فماذا ينفعُ أن أنشُرَ لوالدي مثلًا صورتَهُ أمامَ الناس، وأنا لَم أعبِّرْ يومًا عَن محبّتي لهُ وجهًا لوجهٍ؟ حَسَنٌ لنا أن نقولَ الحُبَّ الّذي فينا طالما نستطيع، فقَد تأتي أيّامٌ نُفصَلُ فيها عمَّن نُحب، فنشتهي أن نقولَ ما فينا مِن حُبٍّ، ولا نستطيع.

ولأنَّ المحبَّة لا تكونُ بالكلامِ أو باللسانِ بل بالعملِ والحقّ (1 يو 13، 18)، يكونُ إكرامُ الوالدينِ بالاهتمامِ بهما، سيّما حينَ يشيخان. ليسَ الاهتمامُ بهما ردًّا لجميلِهما كما نعتقِد، بَل حُبًّا مجّانيًّا غيرَ مشروطٍ كمحبّةِ الله لنا. فلا يهتمُّ أحدُهُم بوالدَيهِ لأجلِ ما فعلاهُ مِن أجلِهِ: ربّما نجحا في الاهتمامِ بِهِ أو ربّما فشلا. هذا لا يهُمَ. لكنَّهُ يهتمُّ بهما لأجل البنوّةِ الّتي اختارَها بحريّةٍ كاملةٍ طاعةً لمشيئةِ الآب السماوي.

“أكرِم أباكَ وأًمَّك لكَي تطولَ أيَّامُكَ على الأرضِ الّتي يُعطيكَ الربُّ إلهُكَ” (خر 12، 20). إقبلهمُا وأحببهُما عملًا بمشيئةِ أبيكَ السماوي.

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s