يسوع الّذي يَضحَك

ضَحِكَ يسوع وهذا مؤكَّد. بما أنّهُ بكى مرّاتٍ ثلاث في الأناجيل، نستطيعُ القولَ أنّهُ ضَحِكَ أيضًا، وهذا مَنطقيّ. لأنَّ يسوعَ بتجَسُّدِهِ أخذَ طبيعَتنا البشريّة كاملة ولَم يستثنِ منها المشاعر. عاشَ بينَ شَعبِهِ، يفرحُ ويحزَن، ويرضى ويُشجِّع، ويغضب ويوبّخ، ويضحك ويَبكي. لكنَّ وجهَ يسوعَ الّذي يَضحَك لطالما كانَ شِبهَ مفقودٍ في وعي المؤمنين لأسبابٍ جمّةٍ لا مجالَ لتعدادِها كاملة. لذا، لا بُدَّ لنا أَن نُعيدَ اكتشافَ وجهَ يسوعَ الّذي يَضحك ونتأمَّله.

يسوعُ الفرَحُ الكامل

في الكتاب المُقدّس لا شواهِدَ مُباشرة وصريحة تقولُ أنَّ يسوعَ أخبَرَ النُكاتَ أو ضَحِكَ مثلًا. لكنَّ بَعضَ شُرَّاحِ الكتابِ المُقدَّس رأوا في تعابيرِ يسوع، البعضَ مِن الفُكاهة، الّتي لا تبدو لنا كَذَلِكَ، لأنَّهُ يَصعُبُ علينا نحنُ اليوم أن نفهَمَها، لا سيّما أنَّ الثقافات تتبدَّل عَبرَ التاريخ. مثالًا على ذَلِكَ، ما قالَهُ يسوع حينَ دعى المُرائي لإخراجِ الخَشَبة مِن عينِهِ (متّى 7، 5)، والّذي قَد يكونُ استعارةً مُضحِكة لأبناءِ جيلِه. بالطبعِ كُلُّها فرضيّات غير مؤكّدة.

لكنَّ تواجُد يسوع في عُرسِ قانا (يو 2، 1-12) هو دليلٌ حسّي على مُشاركتِهِ أفراحَ الناس. في العُرسِ، رَمْز الفَرَح والتعييد، الجميعُ يُغنّونَ ويَرقُصون، ويُخبرونَ النُكات، ويضحكون ويقهقهون. ولا أتخيَّلُ يسوعَ ضيفًا سمِجًا، لا يضحَكُ أبدًا، يُنَكِّدُ عيشَ المُعيّدين. مِن البديهيّ أنَّهُ فرِحَ أيضًا مع المُعيّدين في عُرسِ قانا. بَل أكثَر، أنقَذَ العُرسَ وكمَّلَهُ بآيَتِهِ الأولى، مُعلِنًا ألّا فَرَحَ كامِلَ مِن دونِه.

وقولُ يسوعَ: “زَمَّرْنا لَكُم فلَم تَرقُصوا ونَدَبْنا لَكم فلَم تَضرِبوا صُدورَكم. جاءَ يُوحنَّا لا يَأكُلُ ولا يَشرَب فقالوا: لقَد جُنَّ. جاءَ ابنُ الإِنسانِ يَأَكُلُ ويَشربَ فقالوا: هُوَذا رَجُلٌ أَكولٌ شِرِّيبٌ لِلْخَمْرِ صَدِيقٌ لِلجُباةِ والخاطِئين” (متّى 11، 17-18)، هو بمثابَة التأكيد أنَّ يسوعَ شارَكَ الناس أفراحَهُم وأحزانَهُم. قربه مِن الناس، كان مادّةً دَسِمةً لرؤساءِ اليهود لطبخِ المؤامراتِ ضِدّهُ، ولتوجيه الانتقاداتِ اللاذعة لهُ ولتلاميذِهِ. وكأنّ الذَنبَ الّذي اقتَرَفهُ هو التواضُع الّذي كان غريبًا عَن أكثَرِ رجالِ الدّينِ حينَها.

مدعوّون إلى التعييد

حينَ أرسَلَ يسوعُ التلاميذ في العالَم، طَلَبَ مِنهُم أن يحملوا البشارة، أي الخَبَر السار. والخبرُ السار يُنشَرُ بِفَرحٍ ليصير بدورِهِ فرحًا حقيقيًّا لمَن يقبَلُهُ. ومضمون الخبَر هو أنّ الله أحبَّ العالم، فجادَ بابنِهِ الوحيد ليُخلِّصنا مِن الخطيئة ويقيمنا مِن الموت، فيُشرِكَنا بلاهوتِهِ. هذا الخَبَر من شأنِهِ أن يُشعِلَ فينا الرَغبَةَ الدائمة بالتعييد. ولأنّ الفَرَح يُعدي، تنتقِلُ عدوى التعيّيد إلى كُلِّ مَن يلتقي بشاهدٍ حقيقيٍّ للفَرَح.

لذلِكَ، يجبُ على قادَة الكنيسة ورُعاتِها أن يقوموا بخدمَتِهِم بفَرَح. ويجبُ على المُكرّسين من رهبانٍ وراهباتٍ وعلمانيّين أن يعيشوا تكَرُّسَهُم بفَرَح. هذا ما حثَّ عليهِ البابا فرنسيس مرارًا. فمؤمنو اليوم يحتاجونَ رؤيَةَ وجوهٍ فَرِحة تُعلِنُ فَرَحَ الربّ وتَنقُلَ إليهِم العدوى.

التأمُّل بوجهِ يسوعَ الّذي يَضحك مِن شأنِهِ أن يرسُمَ الضِحكَةَ على وجوهنا. تِلكَ الضحكة هي إحدى العلامات الملموسة والمرئيّة لقبولِنا الخَبَر السار في حياتِنا. كثيرةٌ الأشياء والأحداث الّتي تجعلُنا نَضحَك، لكِنَّ الضحكة المُقدّسة هي وحدها الّتي تدوم، لأنّها تنبعُ مِن عُمقِ الإنسان الّذي اختبَرَ وجهَ الربِّ الّذي يَضحَك.

Advertisements

فكرة واحدة على ”يسوع الّذي يَضحَك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s